كان عبد الله بن المبارك من أئمة الحديث والزهد والجهاد في سبيل الله، يجمع بين العلم والعبادة والرباط على الثغور. وكان صديقه الفضيل بن عياض مقيمًا في مكة عابدًا في الحرمين. فكتب ابن المبارك إليه من طرسوس، وهي ثغر على حدود الروم، أبياتًا مشهورة قال فيها: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا، لعلمت أنك في العبادة تلعب. من كان يخضب خده بدموعه، فنحورنا بدمائنا تتخضب. أو كان يتعب خيله في باطل، فخيولنا يوم الصبيحة تتعب. ريح العبير لكم ونحن عبيرنا، وهج السنابك والغبار الأطيب. ولقد أتانا من مقال نبينا، قول صحيح صادق لا يكذب: لا يستوي وغبار خيل الله في أنف امرئ ودخان نار تلهب. هذا كتاب الله ينطق بيننا، ليس الشهيد بميت لا يكذب. فلما قرأ الفضيل الكتاب ذرفت عيناه، وقال: صدق أبو عبد الرحمن ونصحني. والحديث الذي أشار إليه ابن المبارك رواه النسائي وأحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبدًا. وتروى القصة في كتب التراجم، وتختلف رواياتها في بعض ألفاظ الأبيات. وكان ابن المبارك من أغنياء أهل مرو وكان يتجر، وينفق على طلبة العلم، ويحج عامًا ويغزو عامًا، ووصفه الذهبي بأنه شيخ الإسلام وفخر المجاهدين. وكان عالمًا إمامًا في الحديث، وعابدًا مجاهدًا، وتاجرًا كريمًا. وقد توفي سنة إحدى وثمانين ومئة بعد عودته من الغزو في مدينة هيت على الفرات.
‹ التابعون والعلماء والزهاد
التابعون والعلماء والزهادمشهور
ابن المبارك يكتب إلى الفضيل: يا عابد الحرمين
عبد الله بن المبارك
هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.
العبرة
العبادة مراتب، وخدمة الدين تكون بالعلم والجهاد والعمل، والنصيحة بين الإخوان من الوفاء.
المصدر: سير أعلام النبلاء للذهبي (ترجمة ابن المبارك)، وحلية الأولياء لأبي نعيم، وسنن النسائي (الجهاد)
الدرجة: مشهور في كتب التراجم، والحديث المذكور صحيح رواه النسائي وأحمد
