كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما من أشد الصحابة تحرزًا من الدماء، فلم يشارك في الحروب التي وقعت بين المسلمين بعد عثمان رضي الله عنه، وكان الناس يسألونه عن سبب ذلك.
في فتنة عبد الله بن الزبير جاء رجلان إلى ابن عمر، فقالا له: إن الناس قد صنعوا ما ترى، وأنت ابن عمر وصاحب النبي ﷺ، فما يمنعك أن تخرج؟ قال: يمنعني أن الله حرّم دم أخي. قالا: ألم يقل الله تعالى: «وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة»؟ فقال ابن عمر رضي الله عنهما: قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله.
وجاءه رجل آخر مرة فسأله: يا أبا عبد الرحمن، ما حملك على أن تحجّ عامًا وتعتمر عامًا وتترك الجهاد في سبيل الله، وقد علمتَ ما رغّب الله فيه؟ فقال: يا ابن أخي، بُني الإسلام على خمس: إيمان بالله ورسوله، والصلوات الخمس، وصيام رمضان، وأداء الزكاة، وحج البيت. فقال الرجل: يا أبا عبد الرحمن، ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه: «وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله»؟ فقال ابن عمر: فعلنا على عهد رسول الله ﷺ، وكان الإسلام قليلًا، فكان الرجل يُفتن في دينه، إما يقتلونه وإما يعذّبونه، حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة.
قال الرجل: فما قولك في عثمان وعلي؟ قال: أما عثمان فكأن الله قد عفا عنه، وأما أنتم فكرهتم أن يعفو عنه. وأما علي فابن عم رسول الله ﷺ وصهره، وأشار بيده وقال: وهذا بيته حيث ترون.
فبيّن ابن عمر بهذا أن الفتنة التي كانت في أول الإسلام، حين يُعذَّب المسلم في دينه، غير الاقتتال بين المسلمين على الحكم، وأن حفظ الدماء والتأدب مع الصحابة من تمام الدين.
