كان عبد الله بن سلام رضي الله عنه من علماء اليهود في المدينة. يروي أنس رضي الله عنه أنه بلغه مقدم رسول الله ﷺ المدينة وهو في أرض له يخترف، أي يجتني الثمر، فأتى النبي ﷺ.
ويحكي عبد الله بن سلام نفسه فيقول: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس قِبَله، وقيل: قدم رسول الله ﷺ، فجئت في الناس لأنظر. فلما استبنت وجه رسول الله ﷺ عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، وكان أول شيء سمعته يتكلم به أن قال: «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام».
ثم أتى النبي ﷺ فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ فقال ﷺ: «أخبرني بهن جبريل آنفًا». قال ابن سلام: ذاك عدو اليهود من الملائكة. فقال رسول الله ﷺ: «أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وأما الشبه في الولد: فإن الرجل إذا غشي المرأة فسبقها ماؤه كان الشبه له، وإذا سبق ماؤها كان الشبه لها».
قال: أشهد أنك رسول الله. ثم قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بُهْت، إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني. فجاءت اليهود، فقال النبي ﷺ: «أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟». قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا. فقال: «أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟». قالوا: أعاذه الله من ذلك. فخرج عبد الله إليهم فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. فقالوا: شرنا وابن شرنا، وتنقّصوه. قال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله.
وقد شهد له النبي ﷺ بالجنة؛ قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: ما سمعت النبي ﷺ يقول لأحد يمشي على الأرض: إنه من أهل الجنة، إلا لعبد الله بن سلام. وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ مِثْلِهِ فَآمَنَ﴾.
ويروي قيس بن عباد قال: كنت جالسًا في مسجد المدينة فدخل رجل على وجهه أثر الخشوع، فقالوا: هذا رجل من أهل الجنة. فصلى ركعتين تجوّز فيهما، ثم خرج وتبعته، فقلت: إنك لما دخلت المسجد قالوا: هذا رجل من أهل الجنة. قال: والله ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم، وسأحدثك لم ذاك: رأيت رؤيا على عهد رسول الله ﷺ فقصصتها عليه، رأيتني في روضة، وسطها عمود من حديد أسفله في الأرض وأعلاه في السماء، في أعلاه عروة، فقيل لي: ارقه. قلت: لا أستطيع. فأتاني وصيف فرفع ثيابي من خلفي، فرقيت حتى كنت في أعلاها، فأخذت بالعروة فقيل لي: استمسك. فاستيقظت وإنها لفي يدي. فقصصتها على النبي ﷺ فقال: «تلك الروضة الإسلام، وذلك العمود عمود الإسلام، وتلك العروة عروة الوثقى، فأنت على الإسلام حتى تموت». قال: وذاك الرجل عبد الله بن سلام.
