قدم على رسول الله ﷺ وفد نصارى نجران، وتذكر كتب السيرة أنهم كانوا ستين راكبًا، فيهم رؤساء أمرهم: العاقب والسيد وأبو حارثة. ودخلوا مسجده ﷺ بعد صلاة العصر، فحانت صلاتهم فقاموا يصلون في مسجد رسول الله ﷺ، فأراد الناس منعهم، فقال النبي ﷺ: «دعوهم». فاستقبلوا المشرق فصلّوا صلاتهم.
وجرى بينهم وبين النبي ﷺ حوار طويل في شأن عيسى عليه السلام، ثم نزل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾. فدعاهم النبي ﷺ إلى المباهلة.
يروي حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله ﷺ يريدان أن يلاعناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لئن كان نبيًّا فلاعنّا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا. قالا: إنا نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلًا أمينًا، ولا تبعث معنا إلا أمينًا. فقال: «لأبعثنّ معكم رجلًا أمينًا حق أمين». فاستشرف لها أصحاب رسول الله ﷺ. فقال: «قم يا أبا عبيدة بن الجراح». فلما قام قال رسول الله ﷺ: «هذا أمين هذه الأمة».
وتذكر كتب السيرة أن أبا حارثة بن علقمة قال لأخيه: إنه والله النبي الذي كنا ننتظره. فقال له أخوه: فما يمنعك من اتباعه؟ قال: ما صنع بنا هؤلاء القوم، شرّفونا ومولونا وأكرمونا، وقد أبَوا إلا خلافه. وأن النبي ﷺ دعاهم إلى الإسلام فقالوا: قد أسلمنا. فقال: «كذبتما، يمنعكما من الإسلام ثلاث فيكما: عبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير، وزعمكما أن لله ولدًا». وأنزل الله تعالى في شأن عيسى عليه السلام: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾. ثم صالحهم النبي ﷺ وكتب لهم كتابًا.
