توفي رسول الله ﷺ يوم الاثنين، فلما فرغ الصحابة رضي الله عنهم من تجهيزه يوم الثلاثاء وُضع على سريره في بيته، وهو بيت عائشة رضي الله عنها حيث قُبض. وكان قد كُفّن في ثلاثة أثواب بيض سَحُولية من كُرسُف، ليس فيها قميص ولا عمامة، كما روت عائشة رضي الله عنها.
ثم دخل الناس على رسول الله ﷺ أرسالًا (أي فوجًا بعد فوج) يصلّون عليه، حتى إذا فرغوا أُدخل النساء، حتى إذا فرغ النساء أُدخل الصبيان، ولم يؤمَّ الناس على رسول الله ﷺ أحد.
واختلفوا في موضع دفنه، فقال قائل: ندفنه في مسجده، وقال قائل: ندفنه مع أصحابه. فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما قُبض نبيٌّ إلا دُفن حيث يُقبض». فرفعوا فراش رسول الله ﷺ الذي توفي عليه، فحفروا له تحته.
قال أنس رضي الله عنه: كان بالمدينة رجلان: أحدهما يلحَد والآخر يضرَح، فقالوا: نستخير ربنا ونبعث إليهما، فأيهما سبق تركناه. فأُرسل إليهما، فسبق صاحب اللحد، فلحدوا للنبي ﷺ. وفي الرواية: فقالوا: اللهم خِر لرسولك، فوجدوا أبا طلحة فجيء به، فلحد لرسول الله ﷺ.
وأما الذين نزلوا في قبره ﷺ فهم: علي بن أبي طالب، والفضل بن العباس، وقُثم بن العباس، وشُقران مولى رسول الله ﷺ. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: جُعل في قبر رسول الله ﷺ قطيفة حمراء.
وقالت عائشة رضي الله عنها: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قالت: ولولا ذلك أُبرز قبره، غير أنه خشي أن يُتخذ مسجدًا.
وقد قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾.
وقالت عائشة رضي الله عنها: ما علمنا بدفن رسول الله ﷺ حتى سمعنا صوت المساحي من جوف الليل، ليلة الأربعاء.
وقال أنس رضي الله عنه: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، وما نفضنا عن النبي ﷺ الأيدي وإنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا.
وروى مالك في الموطأ مرسلًا أن عائشة رضي الله عنها قالت: رأيت ثلاثة أقمار سقطن في حجرتي، فقصصت رؤياي على أبي بكر الصديق. فلما توفي رسول الله ﷺ ودُفن في بيتها قال لها أبو بكر: هذا أحد أقمارك، وهو خيرها.
