نسبه وبيته
هو أبو محمد سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي القرشي، من بيت صحبة: فأبوه المسيب وجده حزن من الصحابة رضي الله عنهم. وذكر ابن سعد والذهبي أنه وُلد في المدينة لسنتين مضتا من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه تقريبًا. وتوفي سنة أربع وتسعين للهجرة، وهي السنة التي عُرفت عند بعضهم بسنة الفقهاء لكثرة من مات فيها من كبار علماء المدينة، وإن كان تحديد وفاته بهذه السنة فيه خلاف يسير عند المؤرخين.
فقيه المدينة الأول
يُعد ابن المسيب أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وهم على أشهر ما قيل: سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وخارجة بن زيد وأبو بكر بن عبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وسليمان بن يسار، وقد يُذكر فيهم غير بعضهم كسالم بن عبد الله وأبي سلمة بن عبد الرحمن، فالخلاف في تعيين السابع. وكان يُقال له سيد التابعين، ونُقل عن الإمام أحمد بن حنبل أنه عدّه أفضل التابعين أو من أفضلهم، والتفضيل بين التابعين فيه اختلاف مشهور بين العلماء، والمقصود أن مكانته عند الأئمة كبيرة.
وقد لقي سعيد من الصحابة عددًا كبيرًا، منهم عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت وأبو هريرة وعائشة وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم. وتزوج ابنة أبي هريرة رضي الله عنه، وأكثر من الرواية عنه. وكان عالمًا بقضاء عمر وأحكامه حتى لقب بأنه راوية عمر؛ فقد رُوي عنه أنه كان أعلم الناس بقضايا رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان في زمانه. وهذا مما يُنقل عنه في «الحلية» وغيرها بتمريض، والثابت أن العلماء كانوا يرجعون إليه في فتاوى المدينة وأقضيتها.
رفض البيعة وما لقي
من أشهر المواقف المنسوبة إليه ما كان في خلافة عبد الملك بن مروان، حين عقد البيعة لابنيه الوليد وسليمان في حياته. وذكر ابن سعد وغيره أن والي المدينة هشام بن إسماعيل المخزومي طلب من الناس أن يبايعوا، فامتنع سعيد بن المسيب عن البيعة، وقيل إنه علل امتناعه بأنه لا يبايع لاثنين وخليفة حي. فغضب الوالي وضربه بالسياط وألبسه ثياب شعر خشنة وطاف به في المدينة. ثم بلغ عبد الملك الخبر فقيل إنه أنكر على الوالي ما فعل. هذه القصة مشهورة في كتب الطبقات والتاريخ، ولكنني لا أملك الجزم في عدد الجلدات ولا في كل ما قيل عن ردة فعل عبد الملك، ولذلك أكتفي بما اتفقت عليه المصادر في الجملة: أنه رفض البيعة فعوقب.
ويدل هذا الموقف على ثبات الرجل في ما يراه حقًّا. وينبغي أن نفهمه فهمًا سليمًا: فالمسألة كانت اجتهادًا في البيعة لوليّي عهد في حياة الخليفة، لا هي إنكار لخلافة عبد الملك نفسه، ولا هو خروج على سلطان. والعلماء الذين امتنعوا في مثل هذه الحال إنما استعملوا حق الاجتهاد والاعتراض السلمي.
الكسب الحلال والاستغناء
كان سعيد يعمل بالتجارة، ويذكر أبو نعيم وغيره أنه كان يتجر في الزيت، ويُروى أنه ترك بعد موته مالًا، وأنه كان يقول فيما رُوي إنه يمسك المال ليصون به دينه وعرضه. ويُروى كذلك أنه كان لا يأخذ عطاءه من الديوان في بعض السنين استغناءً. ومثل هذه الأخبار تحتاج إلى تدقيق في أرقامها وتواريخها، ولا يصح أن نذكر أعدادًا محددة بلا مصدر موثوق. والمعنى الثابت أنه كان معروفًا بالتعفف والاستغناء عن أبواب الولاة، وأنه كان يعيش من كسب يده.
الخوف من الفتنة في كبر السن
ومن الأخبار المروية عنه، وقد أوردها الذهبي في «السير» وأبو نعيم في «الحلية»، أنه كان إذا قيل له عن النساء في كبره قال ما معناه إن أخوف ما يخافه على نفسه فتنة النساء، وأنه لا يأمن على نفسه ولو كبر وذهب بصره. ولا يصح بناء حكم على هذا الخبر، لكنه يعكس معنى تربويًّا: ألا يأمن العبد الفتنة ولو بلغ مبلغ الكبر والعلم. وقد جاء في الصحيح عن النبي ﷺ: «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء»، رواه البخاري ومسلم من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه. ومن حفظ هذا المعنى لم يغتر بسنه ولا بعلمه.
تأديبه لطلابه وتواضعه
وكان ابن المسيب يجلس في مسجد النبي ﷺ، وتشير الروايات إلى كثرة من أخذ عنه، ومنهم الزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهما. وكانت له هيبة في مجلسه، لكنه كان يتحاشى التصدر بما لا يعلم، وكان الناس يقصدونه من الأمصار يسألونه عن حديث رسول الله ﷺ وأقضية الخلفاء الراشدين، فيجيبهم بما حفظ ويتوقف فيما لم يحفظ. وتروى عنه أقوال في الورع في الفتيا، وأنه كان لا يفتي إلا بعلم. وهي معانٍ صحيحة في الجملة تتفق مع القرآن في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ من سورة الإسراء.
تنبيه على الدرجة
ثبت في الجملة نسب سعيد بن المسيب ومنزلته ووفاته في حدود سنة أربع وتسعين، وكونه من الفقهاء السبعة، ورفضه البيعة وتعرضه للضرب والتشهير على يد والي المدينة. وأما تفصيلات عدد الجلدات وما قيل في موقف عبد الملك فمشهورة في كتب الطبقات ولم نحققها فلم نذكر عددًا. وأخبار تجارته في الزيت وقوله في صيانة دينه بالمال، وقوله في خوف النساء، مروية في كتب التراجم والزهد بأسانيد لم نحقق صحتها فنقلناها بالتمريض.
