Islamic MixIslamic Mix
‹ التابعون والزهاد
التابعون والزهادمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

عروة بن الزبير: ابن أسماء وتلميذ عائشة وكتبه التي ندم على إحراقها

عروة بن الزبير رحمه الله

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

الأم والخالة والأب

هو أبو عبد الله عروة بن الزبير بن العوام، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة. أبوه الزبير بن العوام رضي الله عنه حواري رسول الله ﷺ، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما ذات النطاقين، وخالته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها. فاجتمع له شرف النسب والصحبة والبيت الذي تُنقل فيه سنة النبي ﷺ. وكان أخوه عبد الله بن الزبير رضي الله عنه الذي بويع له بالخلافة في الحجاز. وقد ولد عروة في خلافة عثمان أو قبلها على اختلاف في التاريخ، وتوفي سنة أربع وتسعين أو قريبًا منها، وهذا مما اختلفت فيه المصادر قليلًا.

عائشة معلمته

تلقى عروة عن خالته عائشة علمًا غزيرًا، وكان من أكثر الرواة عنها، وقد رُوي عنه في الصحيحين أحاديث كثيرة عن عائشة في الصلاة والطهارة والحج والمغازي وصفة وحي النبي ﷺ، ومنها أول حديث الوحي في البخاري، وهو حديث رواه عروة عن عائشة. وذكرت كتب التراجم أنه كان يستفيد من علم عائشة في الفقه والأنساب والشعر والطب، ورُوي عنه أنه سألها عن علمها بالطب فقالت إن وفود العرب كانت تفد على النبي ﷺ في آخر عمره فتصف له الأدوية، وكانت تعالجه بها. وهذا الخبر رُوي في بعض الكتب كمسند أحمد، وفي إسناده مقال عند بعض أهل العلم، فلا نجزم به، ولكن لا خلاف في أن عائشة كانت عالمة واسعة المعرفة، وأن عروة كان من أنفع الناس بعلمها.

أول من دوّن المغازي

نُسب إلى عروة أنه من أوائل من دوّن أخبار السيرة والمغازي في الإسلام، وأن له رسائل إلى الخليفة عبد الملك بن مروان يجيب فيها عن أسئلة تتعلق بأحداث الهجرة وبدر وغيرها. وقد نقل الطبري وابن إسحاق وغيرهما من روايات عروة في السيرة. ويعد عروة من أهم المصادر الأولى للسيرة النبوية لقربه من عائشة وأسماء ولأنه من آل الزبير الذين شهدوا كثيرًا من الأحداث. ومع هذا فإن بعض ما يُنسب إلى عروة من كتابات لم يصل إلينا في كتاب مستقل، وإنما وصلنا منقولًا في كتب من جاء بعده، فتحتاج كل رواية إلى النظر في إسنادها.

الكتب التي أحرقها

ومن أشهر ما يُذكر في سيرته أنه كتب كتبًا في الفقه، فاحترقت أو أُحرقت في أيام وقعة الحرة بالمدينة سنة ثلاث وستين للهجرة، وهي الوقعة التي جرت بين أهل المدينة وجيش يزيد بن معاوية. ورُوي أنه ندم بعد ذلك، وقال ما معناه إنه كان يتمنى لو بقيت عنده كتبه بأهله وماله. وأورد هذا الخبر ابن سعد وأبو نعيم والذهبي، ولا تتعلق به أحكام، وفي تفصيله اختلاف عند الرواة: هل أحرقها هو أم احترقت؟ ولماذا؟ وبعضهم يذكر سببًا غير الحرة. ونذكره هنا لما فيه من عبرة عن قيمة العلم المكتوب وأن الإنسان قد يتصرف بحسب ظنه ثم يندم.

وفي الوقت نفسه يجب أن ننتبه إلى أن العلماء في هذا العصر كانوا يختلفون في كتابة الحديث والفقه: فمنهم من كره الكتابة خوف اختلاطها بالقرآن، ومنهم من أباحها، وقد جاء في السنة الإذن بالكتابة لمن طلبها، كما في حديث أبي شاه في البخاري ومسلم: «اكتبوا لأبي شاه». وانتهى الأمر بإجماع العلماء على جواز الكتابة وضرورتها لحفظ العلم.

صبر وابتلاء

وكان عروة من العباد الصابرين، وقد أصيب في جسده بابتلاء عظيم، ومضت قصته مستقلة في موضعها، وفيها أنه شكر الله وصبر. وليس غرضنا تكرارها هنا، وإنما نكتفي بالإشارة إلى أن علم الرجل لم ينقطع بالمصائب، وأنه ظل يتعلم ويعلم حتى آخر حياته. وكان يحث أبناءه على طلب العلم، ويقال إنه كان يتعاهد حفظهم القرآن.

سؤال الفتى وجواب الخالة

ومن أجمل ما يُروى عن علاقته بخالته ما ثبت في الصحيحين من أنه قال لعائشة رضي الله عنها: ما أرى عليّ جناحًا ألا أطوف بين الصفا والمروة، وكان قد فهم من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ أن الطواف بهما مباح فقط وليس واجبًا. فقالت له عائشة: بئس ما قلت يا ابن أختي، لو كانت كما أولتها لكانت: فلا جناح عليه ألا يطوف بهما. ثم بيّنت له سبب نزول الآية، وهو أن ناسًا من الأنصار كانوا قبل الإسلام يهلّون لمناة، فتحرجوا في الإسلام من الطواف بين الصفا والمروة، فأنزل الله الآية. ثم قالت إن النبي ﷺ سنّ الطواف بينهما فليس لأحد أن يترك الطواف بهما. وهذا في صحيح البخاري وصحيح مسلم. وفي الخبر درس في أدب التلميذ مع شيخه: فقد عرض فهمه صراحة، وتقبّل التصحيح، ونقل الجواب إلى الناس كما سمعه، فصار علمًا ينتفع به الأمة.

وفاته

توفي عروة بن الزبير في أرضه بالفرع قرب المدينة في حدود سنة أربع وتسعين على الأرجح، وقيل سنة ثلاث أو خمس وتسعين، وذُكر أنه توفي وهو صائم. وهذا الأخير يرويه بعض أصحاب التراجم، ولم أقف على إسناده المحقق، فهو من المشهور غير المحرر.

أثره

انتقل علم عروة إلى ابنه هشام بن عروة، الذي صار من كبار رواة الحديث، وإلى عدد من التلاميذ كالزهري وغيره. وهكذا اتصل سند العلم من عائشة إلى عروة إلى هشام إلى أهل الحديث، وهي سلسلة معروفة في كتب الإسناد.

تنبيه على الدرجة

ثبت قطعًا أن عروة تلقى عن عائشة وروى عنها في الصحيحين، وأنه من الفقهاء السبعة. وأخبار تدوينه المغازي ورسائله إلى عبد الملك مشهورة ولكن تحتاج إلى بحث في كل رواية. وخبر إحراقه كتبه وندمه ورد في كتب الطبقات بروايات مختلفة في سببه، فهو مشهور غير محرر. وخبر وفاته صائمًا في الفرع لم يُحقق إسناده.

العبرة

العلم يُحفظ بالتدوين والصحبة الصالحة، وقد يندم المرء على التفريط في كتبه، وبيت الصالحين يُخرّج العلماء.

المصدر: الطبقات الكبرى لابن سعد؛ سير أعلام النبلاء؛ حلية الأولياء؛ صحيح البخاري (بدء الوحي من حديث عروة عن عائشة، وحديث أبي شاه)؛ صحيح مسلم؛ سورة البقرة (الآية 158)؛ تاريخ الطبري (روايات عروة في السيرة)

الدرجة: سيرة مشهورة ثابتة في أصلها (النسب وروايته عن عائشة في الصحيحين وكونه من الفقهاء السبعة)؛ وأخبار إحراق كتبه وتاريخ وفاته وصيامه وقت الوفاة مشهورة بلا أسانيد محررة وقد نُبّه عليها، وخبر الطب عن عائشة في إسناده مقال.