Islamic MixIslamic Mix
‹ التابعون والزهاد
التابعون والزهادمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

سعيد بن جبير: تلميذ ابن عباس الذي ما ادّعى علمًا لم يسمعه

سعيد بن جبير رحمه الله

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

مولى حبشي الأصل

هو أبو عبد الله سعيد بن جبير الأسدي الكوفي، قيل إنه مولى لبني والبة من بني أسد، وقيل إن أصله من الحبشة. نشأ في الكوفة وأخذ العلم عن كبار الصحابة، وأكثر ما لزم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. وقد جمع بين التفسير والحديث والفقه والقراءة والعبادة. قال الذهبي في «السير» إنه من كبار التابعين وأئمتهم، وتوفي مقتولًا سنة خمس وتسعين للهجرة على يد الحجاج بن يوسف، وفي السنة نفسها هلك الحجاج. ولا نُعيد هنا قصة وقوفه بين يدي الحجاج لأنها مفردة في موضعها، وإنما نعرض صفحات أخرى من سيرته.

الفتى الذي سأل فصدّق

ثبت في الصحيحين حديث طويل رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب في قصة موسى والخضر عليهما السلام، وفي مقدمة الحديث أن سعيدًا قال لابن عباس: إن نوفًا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس موسى بني إسرائيل وإنما هو موسى آخر. فقال ابن عباس: كذب عدو الله. ثم ساق له الحديث عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ. وهذا الخبر في صحيح البخاري ومسلم، وفيه فائدتان: الأولى أن سعيدًا كان يتحرى ما يسمع فيسأل الصحابي الكبير عمن زعم شيئًا مخالفًا للثابت، والثانية أن ابن عباس لم يسكت عن إنكار قول من قال في القرآن بلا علم. ومعنى الآيات في سورة الكهف عن قصة موسى والخضر مفصل في تفسير ابن كثير وغيره، وليس هذا موضع بسطه.

ابن أم الدهماء

ويُروى أن ابن عباس كان يفتخر بتلميذه سعيد، وأنه قال لأهل الكوفة حين جاؤوا يستفتونه: «تسألونني وفيكم ابن أم الدهماء»، يريد سعيد بن جبير. هكذا ذكره ابن سعد وغيره، وهو مما رُوي بأسانيد لم نحققها، لكنه مشهور، ويوافق ما ثبت عن ابن عباس من اعتماده على تلاميذه ومن إجلاله لسعيد. والمهم أن سعيدًا كان لدى الناس موضع ثقة، حتى قيل إنه كان من أعلم أهل الكوفة بالتفسير.

الخشية الحقيقية

وتتناقل كتب الزهد عن سعيد بن جبير قوله: «الخشية أن تخشى الله حتى تحول خشيتك بينك وبين معصيتك، فتلك الخشية». وهذا المعنى مرتبط بقوله تعالى في سورة فاطر: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. وقد فسّر ابن كثير الآية بأن العلماء بالله هم أكثر الناس خشية له، لأن من عرف الله العظيم القدير العليم كملت خشيته. والخبر عن سعيد رُوي في «الحلية» ونحوها، ويحتاج لإسناد محقق، لكن معناه موافق لتفسير الآية وللمعنى الصحيح.

عبادة سعيد

وذكر الذهبي وأبو نعيم عن سعيد أخبارًا في قيام الليل والبكاء حتى رُوي أن بكاءه كان شديدًا. كما ذكرت الكتب أنه كان يختم القرآن في ليالٍ قليلة، وأنه قرأ القرآن في ركعة واحدة في جوف الكعبة، وأنه كان يؤم الناس في رمضان فيقرأ بقراءتين في ليلتين. وهذه الأخبار الثلاثة مذكورة في كتب التراجم، ولم أقف على أسانيدها، فلا أقطع بها، وأكتفي بأنه من العباد الذين اشتهروا بالقيام وقراءة القرآن. والثابت أن القرآن قرئ بقراءات كثيرة ثابتة عن النبي ﷺ، وفيه حديث «أنزل القرآن على سبعة أحرف» في الصحيحين.

خروجه مع ابن الأشعث

وكان سعيد قد خرج مع عبد الرحمن بن الأشعث على الحجاج، مع من خرج من القراء، وبعد هزيمة ابن الأشعث هرب سعيد إلى مكة واختفى سنوات. ولا بد من الأمانة هنا: فقد كان مجتهدًا فيما فعل، ولا يعني تعظيمنا له أن نصوّب خروجه، فقد نهى عنه أمثال الحسن البصري كما مضى، وإنما نقول إن أهل العلم يتأولون لمثله ويرجون له الأجر في اجتهاده ويقولون إن الحق عند الله. وقد أمسك به والي مكة خالد بن عبد الله القسري وأرسله إلى الحجاج، وكان ما كان من مقتله.

روايته عن ابن عباس في التفسير

ومن الأمثلة على أخذ سعيد التفسير عن ابن عباس ما يُروى من طريقه أن ابن عباس قال إن آخر آية نزلت من القرآن هي قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ من سورة البقرة. ونقل ابن كثير هذا القول عند تفسير الآية، وذكر أنه رُوي كذلك عن غير ابن عباس، وأشار إلى اختلاف العلماء في تعيين آخر ما نزل، فقيل غير ذلك. وليس القصد هنا ترجيح المسألة، وإنما التنبيه إلى أن علم ابن عباس بالتنزيل والتأويل وصل إلى الأمة عبر تلاميذ مثل سعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وطاووس، وأن أمانتهم في النقل حفظت التفسير.

ما رُوي عن موته

ويذكر بعض أصحاب التراجم أنه لم يعش الحجاج بعده إلا قليلًا، وأن الحجاج كان يقول فيما رُوي: ما لي ولسعيد بن جبير، كلما أردت النوم أخذ بخناقي. وهذا الخبر بعينه مشهور، لكنه من الأخبار التي لا يصح فيها إسناد، وقد رواه بعضهم بصيغ مختلفة، فلا نُثبته. ويكفي أن نقول إن الله قدّر هلاك الحجاج في السنة نفسها، وأن كثيرًا من الناس رأوا في ذلك عبرة.

تنبيه على الدرجة

ثبت بالصحيحين أن سعيد بن جبير روى حديث موسى والخضر عن ابن عباس عن أبي بن كعب وأن ابن عباس أنكر قول نوف البكالي. وثبت في الجملة أنه قُتل سنة خمس وتسعين على يد الحجاج. وأما قول ابن عباس «ابن أم الدهماء» وأخبار ختمه القرآن في ركعة وقراءته بقراءتين وقول الحجاج «ما لي ولسعيد» فمشهورة ولم نقف لها على أسانيد صحيحة، ولذلك ذُكرت بالتمريض أو نُفيت.

العبرة

التثبت في سؤال الأكابر قبل نقل أي قول في الدين، وأن الخشية الحقيقية أن تحول بين صاحبها والمعصية.

المصدر: صحيح البخاري ومسلم (حديث موسى والخضر من رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب)؛ سورة الكهف وسورة فاطر؛ تفسير ابن كثير؛ الطبقات الكبرى لابن سعد؛ سير أعلام النبلاء؛ حلية الأولياء

الدرجة: حديث موسى والخضر وسؤال سعيد لابن عباس ثابت في الصحيحين؛ ومقتله سنة 95هـ ثابت في الجملة؛ وقول ابن عباس «ابن أم الدهماء» وختمه القرآن في ركعة وقراءته بقراءتين وقول الحجاج «ما لي ولسعيد» أخبار مشهورة بلا أسانيد محررة فنُقلت بالتمريض أو نُبّه على عدم ثبوتها.