مولى من أصل يمني
هو أبو محمد عطاء بن أبي رباح القرشي مولاهم، المكي. وُلد في اليمن في ناحية الجَنَد على الأرجح في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، ونشأ في مكة المكرمة، وكان مولًى لبعض بيوت قريش، فلم يكن له نسب شريف في عرف الناس، ولا مال. وذكر بعض أصحاب التراجم، كما نقل الذهبي في «السير»، أنه كان أسود اللون، وأنه كان أعرج أفطس الأنف، وأنه عمي في آخر عمره. وهذه الأوصاف تُنقل في كتب التراجم، وهي ليست من أصل الثابت الذي يُبنى عليه، وإنما تُذكر لتوضيح المفارقة بين حال الرجل في أعين الناس ومكانته العلمية، وقد خلص الذهبي إلى أنه أحد أعلام الدين.
مفتي أهل مكة
ذكرت المصادر أن عطاء بلغ مرتبة الفتوى في مكة في زمن لم يزل فيه من الصحابة في البلد من يُرجع إليه. ومن أشهر ما يُروى عنه أنه كان في موسم الحج ينادى فيه ألا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح، فإن لم يوجد فعبد الله بن أبي نجيح، وهكذا جاء في بعض الكتب. وهذا الخبر مذكور عند ابن سعد والذهبي بصيغة الرواية، ولا نجزم بنسبة النداء إلى جهة بعينها ولا بأي لفظ، لكن اتفق المترجمون على أنه كان مفتي مكة وفقيهها وصاحب الحلقة الكبرى في المسجد الحرام.
وتتلمذ على يديه جمع من الأعلام. وقد روى عنه الأئمة، وقد ذكر الذهبي أن أبا حنيفة لقي عطاء وأثنى عليه، فيما يُروى عنه من أنه لم ير أفضل من عطاء، وهذا من الأخبار التي لم نقف على إسناد صحيح لها، لكنها مشهورة في ترجمتيهما.
حديث المرأة السوداء
وقد روى عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس رضي الله عنهما حديثًا عظيمًا أخرجه البخاري ومسلم: أن ابن عباس قال له: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قال: بلى. قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي ﷺ فقالت: إني أُصرع وإني أتكشّف، فادع الله لي. قال: «إن شئتِ صبرتِ ولكِ الجنة، وإن شئتِ دعوتُ الله أن يعافيك». فقالت: أصبر. فقالت: فإني أتكشف، فادع الله أن لا أتكشف. فدعا لها. وهذا الحديث صحيح متفق عليه، وفيه أن الصبر على البلاء ثوابه الجنة، وأن الإنسان مخيَّر بين الصبر والدعاء بالشفاء. وقد فسّر العلماء أن اختيارها الصبر دليل على قوة إيمانها، وأن النبي ﷺ لم يمنعها من الشفاء ولكن خيّرها. وكان عطاء نفسه أسود اللون، ولا نجزم بأن ذلك كان وراء روايته للحديث، ولا بأي مناسبة بينه وبين المرأة، وإنما يُذكر الحديث لأنه من مرويات عطاء الصحيحة ولما فيه من العبرة بأن الجنة لا ترتبط بلون ولا نسب.
ورعه في الكلام
ومن أشهر كلامه الذي ينقله الذهبي وأبو نعيم قوله، فيما رُوي: «إن من كان قبلكم كانوا يكرهون فضول الكلام، وكانوا يعدون فضول الكلام ما عدا كتاب الله أن تقرأه، أو أمرًا بمعروف، أو نهيًا عن منكر، أو أن تنطق في معيشتك التي لا بد لك منها». ثم يذكّر بأن على الإنسان حافظين كراما كاتبين، ويشير إلى قوله تعالى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ من سورة ق. وقد فسّر ابن كثير الآية بأن الإنسان لا يتكلم بكلمة إلا ومعه ملك رقيب يكتبها. وهذا النص عن عطاء مروي في كتب التراجم بإسناد أبي نعيم في «الحلية»، ولا نحكم عليه بصحة تامة، لكن معناه ثابت في القرآن والسنة، فقد صح عن النبي ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» متفق عليه.
لزوم المسجد
ويذكر المترجمون أن عطاء لزم المسجد الحرام سنوات طويلة، وأنه كان يتفرغ للعلم والعبادة، وذكر الذهبي قولًا أنه كان المسجد فراشه عشرين سنة، أي أنه كان يقيم فيه. ولا نحرر هذا العدد، فهو من الأخبار المنقولة بلا إسناد قوي، لكننا نقول إنه من أكثر الناس ملازمة للحرم. وقد قيل أيضًا إنه كان يقرأ في صلاته سورة البقرة وهو قائم لا يتحرك، وهذا الخبر ورد في بعض كتب التراجم، ولا نجزم به.
أدبه مع العلم والناس
وتنقل المصادر أن عطاء كان إذا سئل عن شيء لا يعلمه قال لا أدري، وكان لا يستنكف من ذلك. وهذا هو منهج العلماء الراسخين، فقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، وكان السلف يقولون: لا أدري نصف العلم، وهي عبارة تُنسب لغير واحد. كما رُوي أنه كان يتجنب الجدال والمراء في العلم، ويقول إن المراء يذهب بهاء العلم. وهذا القول من الأقوال التي نُسبت إلى عدد من التابعين.
وفاته
توفي عطاء بن أبي رباح بمكة في حدود سنة أربع عشرة ومئة، وقيل سنة خمس عشرة، وقد جاوز الثمانين، على ما ذكره المؤرخون. وانتهت به رئاسة الفتوى في مكة، وانتقلت إلى تلاميذه، ومنهم ابن جريج الذي كان من أكثر الناس ملازمة له، وقد روى عنه الكثير من فقهه.
تنبيه على الدرجة
ثبت في الصحيحين حديث المرأة السوداء من رواية عطاء عن ابن عباس. وثبتت مكانة عطاء في الفتوى بمكة وملازمته للحرم في الجملة. أما أوصافه البدنية وقول أبي حنيفة فيه ونداء الحج بألا يفتي إلا هو وعدد سنوات إقامته في المسجد وقراءته البقرة في ركعة، فكلها مشهورة في كتب التراجم ولا نعلم لها أسانيد صحيحة، وقد نبّهنا عليها في موضعها. وكلامه في فضول الكلام معناه صحيح ورواه أبو نعيم.
