Islamic MixIslamic Mix
‹ التابعون والزهاد
التابعون والزهادمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

مجاهد بن جبر: إمام المفسرين الذي قال: لا يتعلم العلم مستحٍ ولا مستكبر

مجاهد بن جبر رحمه الله

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

مولى من مكة

هو أبو الحجاج مجاهد بن جبر المكي المخزومي مولاهم، من أئمة التابعين في التفسير والقراءة. وُلد في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه على ما ذكره المترجمون، ونشأ بمكة، ولزم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما سنين طويلة. وتوفي سنة اثنتين أو ثلاث ومئة، وقد قارب الثمانين، والاختلاف في سنة وفاته مشهور بين المؤرخين. وقد ذكر الذهبي أن الأئمة اتفقوا على الاحتجاج بتفسيره، وأن الشافعي والبخاري كانا يعتمدان عليه.

قصة العرض على ابن عباس

اشتهر عن مجاهد أنه عرض المصحف على ابن عباس ثلاث مرات يقف عند كل آية فيسأله عن معناها وفيم نزلت. وقد أُفردت لهذا الخبر قصة مستقلة في موضعها، فلا نكرره هنا، وإنما نشير إلى أثره: فقد صار تفسير مجاهد من أهم مصادر الطبري وابن كثير وغيرهما في بيان معاني القرآن. وكثيرًا ما تجد في تفسير ابن كثير عبارة «قال مجاهد» في تفسير الألفاظ الغريبة وبيان أسباب النزول، وكان هذا النقل مبنيًّا على التلقي عن ابن عباس مباشرة.

لا يتعلم العلم مستحٍ ولا مستكبر

ومن أجمل ما ثبت عنه ما ذكره البخاري في كتاب العلم، في باب الحياء في العلم، حيث قال البخاري: وقال مجاهد: لا يتعلم العلم مستحٍ ولا مستكبر. وهذه العبارة معلّقة في صحيح البخاري، أي رواها البخاري عن مجاهد بصيغة الجزم دون سياق إسنادها، والتعليق بصيغة الجزم مما يحتج به أهل الحديث ويدل على صحته عند البخاري. ومعناها أن المستحي الذي يمنعه الحياء من أن يسأل فيبقى جاهلًا، والمستكبر الذي يمنعه الكبر من أن يتعلم ممن هو أصغر منه، كلاهما لا يحصّل العلم. ثم ذكر البخاري بعدها حديث أم سليم رضي الله عنها حين جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال: «نعم إذا رأت الماء». وفي هذا أن الحياء المحمود لا يمنع من السؤال عن أمر الدين، وقالت عائشة رضي الله عنها فيما يُروى عنها في الباب: نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.

كن في الدنيا كأنك غريب

وروى مجاهد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حديثًا عظيمًا ثبت في صحيح البخاري، قال ابن عمر: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك. وقد ذكر العلماء في شرح هذا الحديث أن المؤمن ينبغي ألا يتعلق قلبه بالدنيا، وأن يعد نفسه للرحيل. والحديث مروي في البخاري من طريق مجاهد، فهو مما يعرف بروايته.

الحياء الذي يمنع العلم

ولا يعارض قول مجاهد ما جاء في الحديث الصحيح من مدح الحياء، فقد قال النبي ﷺ: «الحياء لا يأتي إلا بخير» متفق عليه من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه. والعلماء يفرقون بين الحياء الشرعي المحمود الذي يمنع من الفحش ويحمل على الستر والعفة، وبين الخجل المذموم الذي يمنع من السؤال عن أمر الدين أو من تغيير المنكر أو قول الحق. فالأول من الإيمان، والثاني ضعف يجب علاجه. وقد جعل البخاري لهذه المسألة بابًا مستقلًّا ليبيّن أن طالب العلم لا يترك السؤال حياءً.

عناية البخاري بتفسيره

وللبخاري في كتاب التفسير من صحيحه تعليقات كثيرة يستشهد فيها بقول مجاهد في بيان معاني ألفاظ القرآن، وهذا يدل على مكانة تفسيره عنده. وقد نُقل عن سفيان الثوري قوله: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. وذكر هذا القول ابن تيمية في مقدمته في أصول التفسير، وابن كثير في مقدمة تفسيره. وهو قول يُنقل في كتب التفسير، وإسناده محتاج إلى نظر، لكن المعنى متفق عليه، وهو أن مجاهدًا من أوثق من نُقل عنهم التفسير لأنه تلقاه عن ابن عباس.

طلب العلم من المحتاجين

وذكر الذهبي أن مجاهدًا سافر في طلب العلم، وأنه لقي عددًا من الصحابة كابن عمر وابن عباس وعائشة وأبي هريرة وغيرهم رضي الله عنهم، ويُروى عنه أنه كان يعمل في بعض مراحل حياته أعمالًا مهنية، وأنه كان فقيرًا مستورًا يطلب العلم مع قلة اليد. ولم نقف على أخبار موثقة تفصل ذلك، فلا نذكر تفاصيل لا نجزم بها.

ما يؤخذ على الاجتهاد

ومن الأمانة العلمية أن نقول إن مجاهدًا، مع جلالة قدره، ليس معصومًا، وقد نُقلت عنه في تفسير بعض الآيات أقوال خالف فيها جمهور المفسرين، وأنكر بعض العلماء عليه بعضها، وذلك أمر طبيعي في الاجتهاد التفسيري؛ فلا يُقبل قوله لمجرد كونه مجاهدًا، بل يُنظر في موافقته للقرآن والسنة وأقوال الصحابة. وقد ورد عن بعض الأئمة أن ما رُوي عن مجاهد من جهة معينة لا يخلو من ضعف في الإسناد، فهو إمام ثقة لكن بعض ما يُنسب إليه بأسانيد متأخرة لا يصح.

خشيته وختام حياته

وتذكر كتب التراجم أنه كان عابدًا قوّامًا، وأنه توفي وهو ساجد في سنة ثلاث ومئة أو قريبًا منها. وهذا الخبر الأخير يرويه الذهبي وغيره، ولا نجزم بإسناده، لكن القدر الثابت أنه مات بمكة وهو من أكبر العلماء. وفي كل حال فإن السجود أقرب ما يكون العبد من ربه كما صح عن النبي ﷺ.

تنبيه على الدرجة

ثبت تعليق البخاري لقول مجاهد في الحياء والكبر، وثبتت روايته لحديث ابن عمر في البخاري، وثبت في الجملة لزومه ابن عباس واعتماد الأئمة على تفسيره. أما كونه عرض المصحف ثلاث مرات فقد أُفرد في قصة أخرى، وأما سنة وفاته وكونه مات ساجدًا وأعماله المهنية فمشهورة غير محررة. ونُبّه على أن بعض أقواله التفسيرية مما تفرد به وأنكره بعض العلماء.

العبرة

لا ينال العلم من يمنعه الحياء من السؤال أو يمنعه الكبر من التعلم، والمؤمن في الدنيا كغريب أو عابر سبيل.

المصدر: صحيح البخاري (كتاب العلم، باب الحياء في العلم، قول مجاهد معلقًا؛ وكتاب الرقاق، حديث ابن عمر كن في الدنيا كأنك غريب)؛ فتح الباري لابن حجر؛ تفسير ابن كثير؛ سير أعلام النبلاء

الدرجة: قول مجاهد في الحياء والكبر معلق في صحيح البخاري، وحديث ابن عمر في البخاري من طريقه؛ ومكانته في التفسير ثابتة؛ وسنة وفاته وكونه مات ساجدًا وأعماله المهنية أخبار مشهورة بلا أسانيد محررة وقد نُبّه عليها؛ وبعض أقواله التفسيرية خالف فيها الجمهور.