من الجَنَد إلى مكة
هو أبو عبد الرحمن طاووس بن كيسان الخولاني الهمداني اليماني، من أبناء الفرس الذين استقروا في اليمن، وكان مولى لبعض قبائل اليمن، ونشأ في الجَنَد. قدم مكة فلزم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وكان من أخص تلاميذه وأكثرهم أخذًا عنه. وذكر الذهبي في «السير» أنه من أجلة التابعين، وأن الأئمة اتفقوا على الاحتجاج بروايته. وتوفي بمكة سنة ست ومئة للهجرة على القول المشهور، وقيل غير ذلك، وذكر بعضهم أنه توفي أثناء الحج.
ثناء ابن عباس
يُروى أن ابن عباس قال عن طاووس: إني لأظن طاووسًا من أهل الجنة. وهذا الخبر يرويه ابن سعد وأبو نعيم وغيرهما في ترجمة طاووس، ولا نجزم بتحرير سنده، لكنه مشهور. ويروى عن طاووس أنه أدرك عددًا من الصحابة وأخذ عنهم، وقد قال بعض أصحاب التراجم إنه لقي خمسين من أصحاب رسول الله ﷺ، وهذا العدد لم نقف على تحقيقه. والثابت أنه روى عن ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة وعائشة وغيرهم رضي الله عنهم.
حديث الفرائض
ومن روايات طاووس الصحيحة عن ابن عباس ما أخرجه البخاري ومسلم أن رسول الله ﷺ قال: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر». وهذا الحديث هو الأصل في باب التعصيب في علم المواريث، ومعناه أن أصحاب الفروض المقدّرة في القرآن يعطون أنصبتهم أولًا، ثم يعطى الباقي لأقرب رجل من العصبة. والمعنى أن توزيع الميراث له نظام محكم ينبغي الالتزام به، وقد أشار القرآن إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ بعد آيات المواريث في سورة النساء.
الاستغناء عن أبواب الأمراء
اشتهر طاووس بالبعد عن أبواب السلاطين وإباء قبول العطايا منهم. وتُذكر عنه في كتب الزهد أخبار في ذلك، لكن تفاصيلها لم نقف لها على إسناد صحيح، فنكتفي بالصفة العامة التي اتفق عليها المترجمون، وهي تعففه وبعده عن أبواب الولاة. وقد جاء في السنة التحذير من الاغترار بأبواب السلاطين وفتنتها، فروى أبو داود والترمذي من حديث ابن عباس أن من سكن البادية جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلطان افتتن. والحديث حسنه بعض العلماء. وليس معنى ذلك ترك نصيحة الحكام، وإنما معناه الحذر من التقرب إليهم لأجل الدنيا.
مجلس هشام بن عبد الملك
وتروي بعض كتب الأدب والتاريخ والزهد قصة مشهورة عن لقاء طاووس بالخليفة هشام بن عبد الملك في الحج. وخلاصتها أن هشامًا طلب أن يؤتى برجل من الصحابة، فقيل له قد تفانوا، فقال: من التابعين، فجيء بطاووس، فلما دخل خلع نعليه بحاشية البساط، ولم يسلّم عليه بإمرة المؤمنين، ولم يكنّه، وجلس بإزائه بغير إذن، وقال: كيف أنت يا هشام؟ فغضب هشام غضبًا شديدًا حتى همّ بقتله. فقال له طاووس في بيان ما فعل: أما خلعي نعلي بحاشية بساطك فلأني أخلعهما بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات فلا يغضب عليّ ولا يعاتبني، وأما قولك لم تقبل يدي فإن أمير المؤمنين عليًّا رضي الله عنه نهاني أن أقبل يد أحد إلا لزوجة أو ولد. ثم ذكر له أن عليًّا قال إن في جهنم حيات كالقلال وعقارب كالبغال تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيته، ثم قام وخرج.
هذه القصة تُروى بأسانيد ضعيفة وبألفاظ مختلفة، وقد تضمنت أقوالًا منسوبة إلى علي رضي الله عنه لا يثبت إسنادها، كما أن فيها تفصيلات قصصية واضحة، ولذلك لا نجزم بوقوعها على الصورة المذكورة، ولا ننسب إلى علي رضي الله عنه ما لم يصح عنه. ونذكرها لأنها مشهورة جدًّا في ترجمة طاووس، ولنبيّن أن المعنى المجرد فيها، وهو نصيحة الحاكم بالعدل، ثابت في الشرع، فقد جاء في الصحيحين: «ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة». ولكن هذا لا يجوز أن يتحول إلى الاستخفاف بالناس، والأصل أن يُخاطب الحاكم بالحكمة ولين القول، كما أمر الله موسى وهارون عليهما السلام بقوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ في سورة طه.
علمه وفقهه
كان طاووس من فقهاء اليمن ومكة، وله اجتهادات مشهورة نقلها عنه أصحاب كتب الفقه والتفسير، وقد روى عنه كثير من العلماء كعمرو بن دينار وابنه عبد الله بن طاووس وغيرهم. وكان ابنه عبد الله من رواة الحديث الثقات، ومن خلاله انتقلت أحاديث عن طاووس إلى كتب الحديث. وتذكر كتب التراجم أنه كان من أهل الزهد والعبادة.
وفاته
توفي بمكة، وذكر بعض المؤرخين أن وفاته كانت في موسم الحج، وفي بعضها أنه توفي بمنى أو المزدلفة، والاختلاف في ذلك مشهور. وفي كل حال فإن وفاته بمكة تتفق مع مكانته بين أهل الحرم.
تنبيه على الدرجة
ثبتت روايته حديث «ألحقوا الفرائض» في الصحيحين، وثبتت مكانته وملازمته لابن عباس في الجملة. وثناء ابن عباس عليه مشهور وفي سنده مقال. أما قصة لقائه بهشام فمشهورة جدًّا وهي ضعيفة الإسناد ومتضمنة ما لا يثبت من نسبة أقوال إلى علي رضي الله عنه، فذكرناها على سبيل الحكاية وبيّنا ضعفها. وأخبار رفضه العطايا مذكورة في عبارات عامة.
