Islamic MixIslamic Mix
‹ التابعون والزهاد
التابعون والزهادمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

الأحنف بن قيس: سيد تميم الذي ساد بالحلم والعقل

الأحنف بن قيس رحمه الله

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

الاسم والعاهة

هو الأحنف بن قيس التميمي السعدي، واسمه الضحاك على الأشهر، وقيل صخر، ولقب بالأحنف لأنه كان في رجليه حنف أي اعوجاج. وكان من سادة بني تميم، ثم صار من وجوه أهل البصرة. وقد أدرك زمن النبي ﷺ، ولكنه لم يره، فهو تابعي لا صحابي على الأرجح. وقد رُوي أن النبي ﷺ دعا له بالمغفرة قبل أن يراه، بعدما أرسل إلى قومه بني تميم من يدعوهم إلى الإسلام، ولكن هذا الخبر ضعيف الإسناد، فلا نعتمد عليه، ويكفي أن الأحنف أسلم في حياة النبي ﷺ، وأن أمره عند أهل التراجم معروف بالفضل.

علمه بالناس

كان الأحنف عند العرب مثلًا في الحلم، وقيل فيه: أحلم من الأحنف. وكان من أصحاب الرأي الذين يستشيرهم الناس. وقد ورد عنه أنه أخذ العلم عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم. ووُصف بأنه ثقة قليل الحديث. وشارك في فتوح خراسان ومرو الروذ في عهد عثمان رضي الله عنه، وكان من قادتها، على ما ذكره المؤرخون في تاريخ الفتوح.

أقواله المأثورة

تنقل كتب الأدب والتراجم عن الأحنف أقوالًا حكيمة سائرة بين الناس، وأكثرها رُوي بأسانيد لم تُحرر، فنذكرها بصيغة «يُروى عنه». من ذلك قوله: «ألا أخبركم بأدوأ الداء؟ اللسان البذيء والخلق الدنيء»، ومنه قوله: «جنّبوا مجالسنا ذكر الطعام والنساء، فإني أبغض الرجل يكون وصّافًا لفرجه وبطنه». وقوله: «رب قول أنفذ من صول»، أي أن الكلمة قد تؤثر أكثر من الهجوم بالسلاح. ويروى عنه أنه قال في خلق الصبر: ما عاداني أحد قط إلا أخذت في أمره بإحدى ثلاث: إن كان أعلى مني عرفت له قدره، وإن كان دوني رفعت قدري عنه، وإن كان نظيري تفضلت عليه. وكل هذه معانٍ صحيحة تتفق مع ما جاء في القرآن من الأمر بدفع السيئة بالحسنة في قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ من سورة فصلت. وفسّره ابن كثير بأن الإحسان إلى المسيء قد يقلب العداوة صداقة، وبأن ذلك لا يوفق له إلا الصابرون وأصحاب الحظ العظيم.

وقد أُفرد خبر تحمله إساءة رجل، وخبر لقائه بأبي ذر رضي الله عنه، في قصتين مستقلتين على هذا الموقع، فلا نعيد هنا ما فيهما، وإنما ننظر في ملامح شخصيته الأخرى.

موقفه من الفتنة

حين وقعت الفتنة بين علي ومعاوية وأصحاب الجمل رضي الله عنهم، ويدل على جانب من موقفه ما أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، ومسلم، عن الأحنف بن قيس قال: ذهبت لأنصر هذا الرجل، فلقيني أبو بكرة رضي الله عنه فقال: أين تريد؟ قلت: أنصر هذا الرجل، قال: ارجع فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار». قلت: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصًا على قتل صاحبه». ويريد بالرجل عليًّا رضي الله عنه، وكان ذلك في أيام الجمل. فرجع الأحنف ولم يقاتل، ويُروى أنه اعتزل ببني تميم، أما غير ذلك من تفاصيل مواقفه في الفتنة فمختلف فيه. وفي الحديث تحذير شديد من القتال بين المسلمين على غير بينة، وبيان أن الحريص على قتل أخيه آثم وإن قُتل. وينبغي الاحتراس من ادعاء ما لا نعلمه، والقدر الثابت أن الأحنف كان رجل عقل وصلح لا رجل فتنة، وأنه حاول تجنب سفك الدماء.

العقل والرأي

وكان الناس يرجعون إلى الأحنف في الأمور العظيمة، فتذكر كتب التاريخ أنه كان من أهل المشورة عند الأمراء، وأن بني تميم كانوا يصدرون عن رأيه. ولا نملك في هذا الباب نقولًا محررة، لكنه ثابت في الجملة أن الأحنف كان من أهل السيادة في البصرة، وأن حلمه ولسانه كانا سببًا في سياسته الناس. وهذا يتفق مع قول النبي ﷺ: «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا» رواه البخاري ومسلم، أي أن الخلق الكريم إذا اقترن بالفقه في الدين ارتفع صاحبه.

الصلاح الداخلي

ويُنقل في كتب الزهد أنه كان يصلي من الليل ويقرأ القرآن، وأنه كان يضع إصبعه على المصباح ليمتحن صبره على النار فيقول: ما حملك يا أحنف على ما صنعت يوم كذا. وهذا الخبر اشتهر عنه جدًّا، وهو من أخبار المحاسبة، فيه أن الأحنف كان يذكّر نفسه بذنوبه بإحراق الإصبع تخويفًا. ولا نعلم لهذا الخبر إسنادًا صحيحًا، وهو فعل لا يُندب لأحد أن يقتدي به، فإن النبي ﷺ لم يشرع تعذيب النفس بالنار، وإنما شرع الاستغفار والتوبة والعمل الصالح. فنذكره على أنه حكاية، لا قدوة.

وفاته

توفي الأحنف بالكوفة في إمارة مصعب بن الزبير سنة سبع وستين تقريبًا. وذكر المؤرخون أن مصعبًا مشى في جنازته، وهذا مشهور في كتب التراجم، ولم نقف على إسناد قوي. وكان الأحنف قد ترك أثرًا في نفوس الناس بحلمه، حتى قال بعضهم: لو قيل لنا من أحلم الناس لقلنا الأحنف. وفي هذا تنبيه إلى أن الحلم والصبر مما يسود به الرجال.

تنبيه على الدرجة

ثبت في الجملة أن الأحنف أسلم في حياة النبي ﷺ ولم يره، وأنه سيد بني تميم وشارك في الفتوح، وأنه اشتهر بالحلم. وخبر دعاء النبي ﷺ له ضعيف الإسناد. وأقواله المأثورة مروية بأسانيد لم تحرر، ومعانيها صحيحة. وحديث أبي بكرة في رجوعه عن نصرة علي يوم الجمل ثابت في الصحيحين وما عداه من تفاصيل موقفه مختلف فيه، وخبر إصبعه والمصباح مشهور غير ثابت ولا يُقتدى به. وخبر مشي مصعب في جنازته مشهور غير محرر.

العبرة

الحلم والصبر يصنعان السيادة، ودفع السيئة بالحسنة يقلب العداوة صداقة، ولا يجوز تعذيب النفس بالنار تأديبًا.

المصدر: الطبقات الكبرى لابن سعد؛ سير أعلام النبلاء؛ حلية الأولياء؛ سورة فصلت؛ تفسير ابن كثير؛ تاريخ الطبري (فتوح خراسان)؛ صحيح البخاري ومسلم (حديث أبي بكرة: إذا التقى المسلمان بسيفيهما، برواية الأحنف)

الدرجة: سيادته وحلمه وإسلامه في زمن النبي ﷺ ومشاركته في فتوح خراسان ثابتة في جملتها؛ وخبر دعاء النبي ﷺ له ضعيف الإسناد؛ وأقواله المأثورة مروية في الأدب والزهد بأسانيد لم تحرر ومعانيها صحيحة؛ وخبر إصبعه والمصباح مشهور غير ثابت وهو فعل لا يُقتدى به؛ وحديث رجوعه يوم الجمل بنهي أبي بكرة ثابت في الصحيحين.