من هو؟
هو أبو إدريس عائذ الله بن عبد الله الخولاني، من كبار تابعي الشام، وُلد على الأرجح في عهد النبي ﷺ عام حنين، وقيل غير ذلك، ولم يره، فهو تابعي عند أهل الحديث. وأخذ عن جماعة من الصحابة منهم معاذ بن جبل وأبو الدرداء وعبادة بن الصامت وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهم. وتولى القضاء في دمشق، وكان يقص على الناس ويعظهم، وذكر الذهبي في «السير» أنه كان فقيه الشام وقاضيها، وتوفي سنة ثمانين للهجرة تقريبًا، والتاريخ غير محرر.
حديث حذيفة في الفتن
من أعظم ما رواه أبو إدريس حديث حذيفة بن اليمان الطويل في الصحيحين: قال حذيفة: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني. فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: «نعم». قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: «نعم، وفيه دخن». قلت: وما دخنه؟ قال: «قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر». قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: «نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها». قلت: يا رسول الله صفهم لنا. قال: «هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا». قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم». قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعضّ بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك». والحديث رواه البخاري ومسلم، وهو من أصول أحاديث الفتن. وقد قال العلماء في شرحه إن الدخن هو الكدر الذي يخالط الصفاء، أي أن الخير بعد الشر لن يكون خالصًا. وفي لفظ عند مسلم تفصيل في أمر الأئمة. وحذيفة هو صاحب سر النبي ﷺ في المنافقين.
وأبو إدريس هو الراوي عن حذيفة في هذا الحديث، فيصح أن يقال إنه جسر بين هذا العلم العظيم وبين الأمة، وإن الأمة تلقته عن طريقه. وفي ذلك درس للمسلم أن يتعلم الشر ليتقيه لا ليقع فيه، وأن النجاة في لزوم الجماعة والعلم.
حديث البيعة على الأركان
وروى أبو إدريس عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه حديثًا في الصحيحين: أن رسول الله ﷺ قال وحوله عصابة من أصحابه: «بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله فهو إلى الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه». قال عبادة: فبايعناه على ذلك. وقد أخرجه البخاري في كتاب الإيمان. وتشير هذه البيعة إلى ما ورد في سورة الممتحنة من بيعة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ إلى آخر الآية، وقد فسّرها ابن كثير ببيان أن البيعة تشمل الأمور المذكورة. وفي الحديث أن الحدود كفارات لأهلها، وأن من ستره الله فأمره إلى الله.
حديث: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي
وروى أبو إدريس الخولاني عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه الحديث القدسي العظيم الذي أخرجه مسلم، عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا. يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم. يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم». وفي آخره: «يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه». وأخرج مسلم بعد الحديث أن أبا إدريس الخولاني كان إذا حدّث بهذا الحديث جثا على ركبتيه. وفي ذلك دلالة على تعظيم السلف لهذا الحديث وتأدبهم عند روايته، وعلى شدة تأثرهم بمعانيه من تحريم الظلم وسعة المغفرة.
وعظه وقضاؤه
وكان أبو إدريس معروفًا بالقصص والوعظ في المسجد، وكانت له منزلة عند أهل الشام، وذكر الذهبي أنه كان فقيهًا. وتذكر كتب التراجم أنه وُلّي القضاء، وأنه كان يتحرى العدل. وفي كتب الأدب أقوال تنسب له في الزهد، ولا نجزم بنسبة شيء منها إليه. والخبر الأشهر عن حياته هو في حديث الفتن، وحديث البيعة. ومن المناسب أن نُذكر أن أهل دمشق في ذلك العصر كانوا يعيشون بين فتن كثيرة، منها ما بين أهل الشام وغيرهم، وكان العلماء مثل أبي إدريس مرجعًا للناس في أمور دينهم.
ما نأخذه من سيرته
من هذه السيرة القصيرة المحققة نأخذ أن علم الأمة يصل عبر الثقات الذين نقلوا النصوص الصحيحة، وأن الاعتبار الأول في السير هو ما ثبت بالصحيح. وفي مقابل الأخبار الكثيرة التي لم تثبت أسانيدها نكتفي هنا بما في الصحيحين. وإذا كانت هذه السيرة أقصر من سير غيره فذلك لأن أمانة النقل تقتضي أن نقف عند ما نعلم.
الفتن اليوم
ويرى العلماء أن حديث حذيفة قاعدة في كل زمان؛ فكلما ظهرت دعوات ضالة تدعو إلى مخالفة الشرع، وجب على المسلم أن يلزم جماعة المسلمين وإمامهم وأن يتعلم دينه من أهل العلم الثقات، ولا يجعل نفسه فريسة للدعاة المضلين. وقد قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ في سورة آل عمران، وفسّر ابن كثير الحبل بأنه الجماعة والكتاب والسنة، وهي معانٍ تتفق مع الحديث.
تنبيه على الدرجة
حديث حذيفة بن اليمان من رواية أبي إدريس الخولاني متفق عليه في الصحيحين، وكذلك حديث عبادة بن الصامت في البيعة، وحديث أبي ذر القدسي «يا عبادي إني حرمت الظلم» عند مسلم وجثوه على ركبتيه عند روايته. وثبتت في الجملة تابعيته وسكناه الشام وعلمه وقضاؤه. أما تحديد سنة ولادته ووفاته فمختلف فيه. ولم نذكر في هذه السيرة أخبارًا لم نقف على إسنادها.
