نسبه وتلقيه
هو أبو يزيد الربيع بن خثيم الثوري الكوفي، من كبار التابعين وعبّادهم، ينتسب إلى ثور بن عبد مناة من مضر. تتلمذ على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في الكوفة، وكان من خواص أصحابه. وقد ذكرت كتب التراجم أن ابن مسعود أثنى عليه ثناءً عظيمًا، وهذا الثناء قد أُفردت له قصة مستقلة في موضعها، فلا نكرره هنا، ونكتفي بالقول إن مجلس ابن مسعود في الكوفة كان من أهم مصادر تكوين شخصية الربيع. وتوفي الربيع في حدود سنة إحدى وستين، وقيل سنة ثلاث وستين أو خمس وستين، فتاريخ وفاته غير محرر عند المؤرخين.
أخبار قلة كلامه
اشتهر الربيع بقلة الكلام، وذكر أبو نعيم في «الحلية» والذهبي في «السير» أخبارًا عن صمته الطويل، منها أنه كان لا يكاد يتكلم إلا بما يعنيه من أمر الآخرة، وأنه مكث سنين طويلة لا يُسمع منه كلمة تُعاب. وتحدد بعض الروايات هذه المدة بعشرين سنة، ولا نجزم بهذا العدد، فهو من الأخبار التي لم نقف على إسناد صحيح لها. ومما رُوي عنه أنه كان إذا أصبح قال: ضعفاء مذنبين نأكل أرزاقنا وننتظر آجالنا. وهذه العبارة ينقلها الذهبي وأبو نعيم، وهي تعبّر عن حال العبد الذي يرى نفسه مقصرًا فقيرًا إلى رحمة الله.
وهذا الخلق، أي حفظ اللسان فيما لا يعني، له أصل في السنة الصحيحة. فقد قال النبي ﷺ: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه أو حسّنه جماعة من العلماء، وأورده النووي في الأربعين حديثًا بلفظ الحسن. وقال ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» متفق عليه. ومن أوصاف المؤمنين في القرآن: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ في سورة المؤمنون، وقد فسّر ابن كثير اللغو بالباطل وما لا فائدة فيه من قول وفعل. فالربيع رحمه الله كان مثالًا حيًّا لهذه المعاني.
لماذا لا تعيب الناس؟
ومن أشهر الأخبار عنه ما رُوي أنه قيل له: يا أبا يزيد، ما نراك تعيب أحدًا ولا تذمه؟ فقال: ما أنا عن نفسي براضٍ فأتفرغ لذم الناس، إن الناس خافوا الله في ذنوب الناس، وأمنوا على ذنوبهم. هكذا ورد بمعناه في كتب الزهد، ولا نقطع بإسناده، لكن المعنى جليل: فقد انشغل بإصلاح نفسه عن عيب غيره. وفي هذا المعنى حديث صحيح رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لا يستر عبد عبدًا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة». وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ في سورة الحجرات، وفي ذلك نهي عن تتبع عيوب الناس وغيبتهم، وفي الاشتغال بإصلاح النفس أبلغ علاج لهذا الداء.
موقفه من الفتنة
وعاش الربيع في زمن فتن الكوفة، وكانت المدينة تموج بالنزاع بين الناس. ورُوي عنه في مقتل الحسين رضي الله عنه خبر أورده ابن سعد والذهبي وغيرهما: أنه لما بلغه ذلك قال: أوقد فعلوها؟ ثم تلا قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ من سورة الزمر. وهذا الخبر مشهور في كتب التراجم، ولم نقف على سند صحيح له، وقد وقع خلاف في تاريخ وفاة الربيع هل كانت قبل مقتل الحسين أو بعده، فلا يصح الجزم بتفاصيله. والمعنى الذي يدل عليه، إن صح، هو رد الأمر إلى الله الحكم العدل عند الفتن، وأن الإنسان إذا عجز عن تغيير الواقع لجأ إلى الله بالدعاء. وفسّر ابن كثير الآية بأنها دعاء يُستفتح به عند طلب الحكم بين المتخاصمين.
مقام الخشية
وفي كتب الزهد أخبار كثيرة عن خشية الربيع وبكائه، منها ما يُروى أنه إذا قرئ عليه ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ من سورة الجاثية، فإنه كان يرددها ويبكي حتى الصباح. وهذا الخبر يتناقله الوعاظ، ولا نعرف له إسنادًا محققًا. ويكفي أن نقول إن العلماء الصادقين تعتريهم الخشية، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ في سورة فاطر.
ما أصابه في آخر عمره
ويذكر بعض المترجمين أنه أصابه في آخر عمره فالج أي شلل، وأنه كان يخرج إلى المسجد يُحمل إليه، وأنه كان يتحامل على نفسه ليصلي مع الجماعة، فقيل له: قد رُخّص لك. فقال: إني أسمع حي على الصلاة حي على الفلاح، فمن استطاع أن يجيب ولو حبوًا فليفعل. وهذا الخبر ثابت المعنى، فقد جاء في صحيح مسلم أن رجلًا أعمى قال للنبي ﷺ ليس لي قائد يلائمني فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: «هل تسمع النداء بالصلاة؟» قال: نعم. قال: «فأجب». ولا نجزم بحادثة الربيع المنسوبة إليه، لكننا نعرض الحديث لبيان أصل المعنى.
تنبيه على الدرجة
ثبت أن الربيع بن خثيم كان من كبار التابعين وأخذ عن ابن مسعود، وأنه اشتهر بالعبادة والخشية والصمت. أما عدد سنوات صمته وكلمته في مقتل الحسين وخبر فالجه فمنقولة في كتب التراجم والزهد بلا أسانيد محررة، ونُقلت بالتمريض. وحديثا «من حسن إسلام المرء» و«فليقل خيرًا أو ليصمت» ثابتان في مصادرهما كما ذكرنا، وحديث «طوبى لمن شغله عيبه» ضعيف لا يحتج به. وتاريخ وفاته غير محرر.
