Islamic MixIslamic Mix
‹ التابعون والزهاد
التابعون والزهادمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

مسروق بن الأجدع: الشاب الذي اعترض على أم المؤمنين فعلّمته

مسروق بن الأجدع رحمه الله

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

من همدان إلى الكوفة

هو أبو عائشة مسروق بن الأجدع الهمداني الوادعي، من كبار التابعين وعلمائهم. كان من أهل اليمن، ونزل الكوفة، وأخذ العلم عن كبار الصحابة، ومن أشهر من لزم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وعاد من خلال مجلسه فقيهًا جليلًا. وكنيته «أبو عائشة»، وهي الكنية التي ثبت في الصحيحين أن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها كانت تخاطبه بها فتقول: يا أبا عائشة، وهذا يدل على قربه منها وكونه من خواص من أخذ عنها. وذكر ابن سعد أن اسمه «مسروق» لأنه سُرق صغيرًا ثم وُجد، وهذا الخبر مذكور في كتب التراجم ولم نقف على إسناده المحرر، فنذكره بالتمريض. وتوفي في الكوفة سنة اثنتين أو ثلاث وستين.

الحديث الذي رواه عن عائشة

من أعظم ما حفظته الأمة من علم مسروق حديثه عن عائشة رضي الله عنها في الصحيحين، وهو يكشف شيئًا من أدبه في المناقشة. قال مسروق: كنت متكئًا عند عائشة، فقالت: يا أبا عائشة، ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفرية. قلت: ما هن؟ قالت: من زعم أن محمدًا ﷺ رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية. قال: وكنت متكئًا فجلستُ، فقلت: يا أم المؤمنين، أنظريني ولا تعجليني، ألم يقل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ و﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ﴾؟ فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله ﷺ، فقال: «إنما هو جبريل، لم أره على صورته التي خُلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطًا من السماء سادًّا عِظَم خلقه ما بين السماء إلى الأرض». ثم قالت: أولم تسمع أن الله يقول: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾؟ أولم تسمع أن الله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾؟ والحديث بهذا المعنى في صحيح مسلم، وأصل القصة في البخاري.

ثم ذكرت أم المؤمنين أن من زعم أن النبي ﷺ كتم شيئًا من كتاب الله فقد أعظم الفرية، لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾، وأن من زعم أنه يخبر بما يكون في غد فقد أعظم الفرية، لأن علم الغيب لله وحده. وفي هذه الخلاصة ثلاثة أصول عظيمة: أن النبي ﷺ بلّغ الرسالة كاملة، وأنه لا يعلم الغيب إلا ما أطلعه الله عليه، وأن رؤية الله في الدنيا بالعين لا تقع.

أدب الحوار

والذي يهمنا في سيرة مسروق أنه اعترض على أم المؤمنين، لكن اعتراضه كان بأدب عظيم، فقد طلب منها أن تنظره ولا تعجل عليه، ثم عرض عليها الآيتين، ولم يتهمها بشيء. وهي قد أجابته بالعلم والحجة من القرآن والسنة، فاقتنع الجميع. وهذا هو أدب طالب العلم مع شيخه ومع من هو أعلم منه: يسأل ويستفهم ويعرض إشكاله بتهذيب. وقد بيّن العلماء أن عائشة رضي الله عنها قصدت نفي الرؤية بالعين في الدنيا، وأن ابن عباس رضي الله عنهما صح عنه في صحيح مسلم أنه رآه بفؤاده مرتين، فجمع بعض العلماء بين القولين بأن النفي متجه إلى الرؤية بالعين والإثبات متجه إلى رؤية القلب. وهذا مبسوط في تفسير ابن كثير لسورة النجم.

العلم والخشية

وروى الذهبي وأبو نعيم عن مسروق قوله: «بحسب المرء من العلم أن يخشى الله، وبحسبه من الجهل أن يعجب بعلمه». وهذه الكلمة تقرب من معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. وقد ذكر ابن كثير أن العلماء بالله هم الذين يخشونه حق خشيته، لأنه كلما كملت المعرفة بالله العظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال كانت الخشية له أعظم. وإسناد قول مسروق في كتب الزهد غير محرر عندنا، لكن معناه ثابت صحيح.

أخبار مختصرة

وفي كتب التراجم أنه كان كثير العبادة والحج، وقد أُفردت قصة مستقلة لقول من قال إنه ما نام في حجه إلا ساجدًا، فلا نكررها هنا. وذكروا أنه كان يفتي ويقضي بين الناس. وذكر أصحاب التراجم أنه من أعلم أهل الكوفة بالفتيا، وأن الشعبي قال: ما رأيت أحدًا أطلب للعلم في أفق من الآفاق من مسروق. وهذا القول منسوب إلى الشعبي في كتب الطبقات، وإسناده لم يُحرر.

تعليم السلف لمن بعدهم

وقد بقيت أقوال مسروق في الفقه والتفسير تتناقلها كتب الفقه والتفسير في أبواب كثيرة، وتجد اسمه في كتب الخلاف الفقهي يذكر مع علقمة والأسود وغيرهما من أصحاب ابن مسعود. وهذه المدرسة الكوفية كان لها أثر كبير في تكوين فقه أهل الكوفة الذي تلقاه إبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان ثم أبو حنيفة. وهذا التسلسل العلمي معروف في كتب الفقه، ويُظهر أن العلم يمتد بالتلمذة المتصلة.

تنبيه على الدرجة

حديث عائشة مع مسروق ثابت في الصحيحين بالمعنى المذكور، وسقناه ملخصًا مع اقتباس الآيات التي استشهد بها. وثبتت في الجملة جلالة مسروق وتلمذته على ابن مسعود وروايته عن عائشة. وسبب تسميته بمسروق وقول الشعبي فيه أخبار مشهورة في الطبقات بلا أسانيد محررة. وقوله في العلم والخشية معناه صحيح وإسناده لم يُحرر.

العبرة

يُتلقى العلم بالأدب والاستفهام الرفيق، والعلم الحقيقي يثمر الخشية ولا يورث العجب.

المصدر: صحيح البخاري (التفسير، سورة النجم)؛ صحيح مسلم (كتاب الإيمان، باب معنى قول الله ولقد رآه نزلة أخرى)؛ سور النجم والتكوير والأنعام والشورى والمائدة وفاطر؛ تفسير ابن كثير؛ الطبقات الكبرى؛ سير أعلام النبلاء؛ حلية الأولياء

الدرجة: حديث مسروق مع عائشة ثابت في الصحيحين (سيق ملخصًا بالمعنى مع آيات الاستشهاد)؛ وجلالة مسروق وتلمذته لابن مسعود ثابتة في الجملة؛ وسبب تسميته وقول الشعبي فيه مشهورة بلا أسانيد محررة؛ وقوله في العلم والخشية معناه صحيح وإسناده لم يُحرر.