Islamic MixIslamic Mix
‹ التابعون والزهاد
التابعون والزهادمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

القاضي شريح: ستون عامًا بين الخصوم وعدالة لا تحل حرامًا

القاضي شريح بن الحارث الكندي رحمه الله

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

قاضي الكوفة

هو أبو أمية شريح بن الحارث الكندي، قاضي الكوفة المشهور. أدرك زمن النبي ﷺ ولم يلقه على الأرجح، ويسمّيه أهل العلم «مخضرمًا» لأنه عاش في الجاهلية والإسلام. استقضاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه على الكوفة، فاستمر في القضاء سنوات طويلة في عهد الخلفاء الراشدين ثم في العهد الأموي، حتى ذكر المؤرخون أنه قضى نحوًا من ستين سنة، وهذا عدد مشهور في كتب التراجم ولم نقف على تحقيقه. واعتزل القضاء في زمن الحجاج بن يوسف قرابة سنة سبع وسبعين، وتوفي بعد ذلك بسنوات وقد جاوز المئة على ما ذكره بعضهم، وفي سنة وفاته وعمره اختلاف معروف. ووصفوه بأنه كان قليل شعر اللحية، ولذلك لُقب بالكوسج. وليس الغرض هنا إعادة قصته مع كتاب عمر رضي الله عنه، ولا قصته مع إخوة يوسف ولا مسألة درع علي، فقد أُفردت لها مواضع مستقلة، وإنما نعرض ما يبين منهجه في القضاء من خلال الأحاديث التي كان القضاة الأولون يتأدبون بها ويخافون منها، وهي أحاديث ثابتة نعتمد فيها على ما رواه أهل الحديث.

حكم القاضي لا يحل الحرام

أشهر ما يُنسب إلى شريح من القول في أدب القضاء ما ذكره بعض أهل التراجم أنه قال لرجل: إني لأقضي لك وإني لأظنك ظالمًا، ولكن لا أقضي بالظن، وإن قضائي لا يحل لك شيئًا حرمه الله عليك. وهذا الكلام نقله الذهبي وغيره، وإسناده لم نقف عليه محققًا، ولكن معناه ثابت صحيح في السنة، فقد روى البخاري ومسلم عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار». فالحكم القضائي يقوم على الظاهر والبينات، ولا يغيّر حقيقة الأمر عند الله. فمن كان ظالمًا في الباطن وحكم له القاضي بظاهر البينة فحكم القاضي لا يحلل له ما حرم الله.

لا يقضي وهو غضبان

ومن آداب القضاء الثابتة ما رواه البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن أبي بكرة أن أباه أبا بكرة رضي الله عنه كتب إلى ابنه عبيد الله وهو بسجستان: لا تحكم بين اثنين وأنت غضبان، فإني سمعت النبي ﷺ يقول: «لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان». وقد علّل العلماء هذا النهي بأن الغضب يشوش الفكر ويمنع من إدراك الحق والعدل. وكان القضاة من السلف يتحرزون من الحكم حال الغضب، ويؤخرون الفصل حتى يهدؤوا. ولا نعلم خبرًا محققًا عن شريح في هذا الباب بخصوصه، ولا نختلق له خبرًا.

القضاة ثلاثة

وأعظم ما يفسر ورع شريح وأمثاله من القضاة وخوفهم من القضاء الحديثُ الذي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه عن بريدة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار». وقد صحح هذا الحديث جماعة من العلماء. ففي هذا الحديث ما يجعل القاضي في خوف دائم، ويجعل الناس يتحرجون من تولي القضاء، وقد قال النبي ﷺ فيما رواه أبو داود والترمذي: «من جُعل قاضيًا فقد ذُبح بغير سكين». وهو حديث صحيح عند كثير من العلماء. وبقدر ما يتوقى القاضي الجور والجهل ينجو من هذا الوعيد.

خبر ابنه

ويذكر بعض كتب التراجم والأدب خبرًا عن شريح مع ابنه في خصومة، يُراد به أنه لم يحابِ ولده في الحق. وروايات هذا الخبر مختلفة في تفاصيلها وألفاظها اختلافًا كبيرًا، ولم نقف على إسناد محرر له، ولذلك لا نسوق منه شيئًا. وإنما نذكّر بالأصل الثابت في القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ من سورة النساء، وقد فسّرها ابن كثير بأن المؤمن يقوم بالعدل ولو كان على نفسه أو أهله.

الاستعفاء من القضاء

ويذكر المؤرخون أن شريحًا طلب في أيام الحجاج أن يُعفى من القضاء بعد عمر طويل فيه، وتتفاوت الروايات في سنة ذلك وسببه، ولا نحرر تفاصيله. وفي ترك من استطاع القضاء بعد أن أدى ما عليه عبرة لمن يتهافت على المناصب، فقد روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة وبئست الفاطمة»، أي أن الولاية لذيذة في أولها مُرّة في عاقبتها لمن لم يقم بحقها. وقد كان السلف يخشون هذه العاقبة، ولذلك كان كثير منهم يفر من القضاء.

تنبيه على الدرجة

ثبتت في الجملة قضاؤه على الكوفة منذ عهد عمر واستمراره سنوات طويلة، والأحاديث المذكورة صحيحة أو ثابتة في مصادرها: حديث أم سلمة في الصحيحين، وحديث أبي بكرة في الصحيحين، وحديث بريدة في السنن وصححه جماعة. أما قول شريح «إني لأظنك ظالمًا» وطلبه الاستعفاء وعدد سنوات قضائه وطول عمره فمشهورة في كتب التراجم والأدب بلا أسانيد محررة، وقد نُبّه على ذلك في مواضعه. ولم نذكر قصة درع علي لأنها أُفردت في موضعها.

العبرة

حكم القاضي لا يحل حرامًا، والقاضي العادل يخاف الله في كل حكم، والخطأ في القضاء عاقبته عظيمة.

المصدر: صحيح البخاري ومسلم (حديث أم سلمة: إنما أنا بشر؛ وحديث أبي بكرة: لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان)؛ سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه (حديث بريدة: القضاة ثلاثة؛ وحديث: من جعل قاضيًا فقد ذبح بغير سكين)؛ سير أعلام النبلاء؛ الطبقات الكبرى

الدرجة: الأحاديث المذكورة في القضاء ثابتة (الصحيحان والسنن)؛ وقضاؤه على الكوفة منذ عهد عمر ثابت في الجملة؛ وعدد سنوات قضائه وطول عمره وقوله «إني لأظنك ظالمًا» وطلبه الاستعفاء أخبار مشهورة بلا أسانيد محررة ذُكرت بالتمريض.