نسبه وولاؤه
هو أبو بكر محمد بن سيرين الأنصاري مولاهم، البصري. كان أبوه سيرين مولى لأنس بن مالك رضي الله عنه، وقد ذكرت كتب التاريخ أنه كان من سبي عين التمر الذي أسره خالد بن الوليد رضي الله عنه في فتوح العراق، ثم كاتبه أنس على مال فأدّاه وصار حرًّا. وأمه صفية، وتذكر كتب التراجم أنها كانت مولاة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأن عددًا من أصحاب النبي ﷺ حضروا زواجها ودعوا لأولادها، ويُروى أن أبي بن كعب رضي الله عنه دعا وأمّنوا، ونقل الذهبي هذا الخبر، ولكن إسناده لم يُحرر. وُلد محمد قرب نهاية خلافة عثمان رضي الله عنه، وتوفي بالبصرة سنة عشر ومئة بعد وفاة الحسن البصري بنحو مئة يوم على المشهور.
تاجر لا كاتب
كان ابن سيرين يعمل في تجارة البزّ أي الثياب، ونقل أصحاب التراجم عنه ورعًا كبيرًا في المعاملات. ومن ذلك ما يُروى في «الحلية» وغيرها أنه اشترى زيتًا فوجد في الظرف فأرة ميتة، ولم يعلم هل كانت في هذا الوعاء من الزيت أم غيره، فأراق الزيت كله ولم يبعه للناس وهو لا يعلم حاله. وهذه القصة تُذكر في كتب الزهد في الورع، وتُنقل عن ابن سيرين بصيغ مختلفة، ولم نقف على إسناد محرر لها، فنذكرها بالتمريض. وفي الحكم الشرعي، فإن الفأرة إذا وقعت في سمن مائع نجس عند كثير من الفقهاء، وأن من باع شيئًا معيبًا يجب أن يبين عيبه، وقد قال النبي ﷺ: «المسلم أخو المسلم، ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعًا وفيه عيب إلا بيّنه له» رواه ابن ماجه وغيره، وصححه بعض العلماء. وقال ﷺ: «من غشنا فليس منا» رواه مسلم.
الضحك والبكاء
وتذكر كتب التراجم أن ابن سيرين كان يضحك بالنهار ويبكي بالليل، وأنه كان يمازح أصحابه ويحدثهم ويضحك معهم، فإذا جاء الليل قام يصلي ويبكي. هكذا ورد في «الحلية» والسير بصيغة تقريبية. وهذا الخبر لا نقطع بإسناده، لكنه يدل على الجمع بين البشاشة مع الناس والخشية في الخلوة. وقد قال النبي ﷺ: «تبسمك في وجه أخيك لك صدقة» رواه الترمذي وغيره وقال حسن غريب. ومن أراد التبسط مع الناس والإقبال على ربه في الليل فقد جمع بين الخيرين. وقد قال تعالى في صفة عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ من سورة الفرقان.
هل كان يحسد؟
ويُنسب إلى ابن سيرين قوله فيما رُوي عنه في كتب الزهد: ما حسدت أحدًا على شيء من أمر الدنيا، لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على الدنيا وهي حقيرة في الجنة، وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على الدنيا وهو صائر إلى النار. وهذا الكلام ينقله الذهبي وأبو نعيم، ولا نعرف له إسنادًا محققًا، وهو تعبير بليغ عن الزهد في الدنيا. وفي السنة النهي عن الحسد: فقد روى البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال: «لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا». وقال تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ في سورة النساء.
تفسير الرؤى
واشتهر ابن سيرين عند العامة بتفسير الأحلام، وتُنسب إليه كتب في ذلك. وينبغي هنا التنبيه إلى أن الكتاب المتداول باسم «تفسير الأحلام» لابن سيرين لا يثبت نسبته إليه عند أهل العلم، بل هو منسوب إليه نسبة غير محققة، وتحذر الدراسات من الاعتماد عليه. وأما أصل الباب فمن السنة: فقد ثبت في الصحيحين أن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، وأن الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، وأن الإنسان لا يحدث بما يكره من الرؤى ويتعوذ بالله من شرها ويتفل عن يساره ثلاثًا. وقد ذكر أبو داود والترمذي أن الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت، وقد حسّنه جماعة، وفيه توجيه إلى أن لا تقص الرؤيا إلا على عالم أو ناصح. فنقول: كان ابن سيرين يُسأل عن الرؤى ويجيب بعلم وورع، ولا نثبت له كتبًا، ولا نقبل كل ما يُنسب إليه من التفاسير.
إنصاف وعدل
وذكر عنه أصحاب التراجم شدة تحريه في الأخذ عن الناس، وأنه كان ينظر في الأسانيد وأن العلماء استفادوا من مواقفه. وقد جاء في مقدمة صحيح مسلم أن ابن سيرين قال: إن هذا العلم دين، فانظروا عمّن تأخذون دينكم. وقد أُفردت قصة خاصة بمنهجه في سؤال الرجال عن الإسناد، فلا نكرر القول هنا.
الوفاة
توفي ابن سيرين في البصرة سنة عشر ومئة، وذكر المؤرخون أن عمره قارب ثمانين سنة، وأن وفاته كانت بعد وفاة الحسن البصري بمئة يوم. وهذا الخبر مشهور عند كل من ترجم لهما، وهو من الأمور المتفق عليها في الجملة.
تنبيه على الدرجة
ثبتت في الجملة نشأته وولاؤه ووفاته سنة 110هـ ومكانته وتجارته. وأما قصة الزيت والفأرة وخبر ضحك النهار وبكاء الليل وقوله في الحسد وخبر زواج أمه وحضور البدريين فمشهورة في كتب التراجم والزهد بلا أسانيد محررة، فذُكرت بالتمريض. وأما كتاب «تفسير الأحلام» المتداول فلا تثبت نسبته إليه. والأحاديث المذكورة ثابتة في مصادرها كما بيّنا.
