Islamic MixIslamic Mix
‹ التابعون والزهاد
التابعون والزهادمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

محمد بن المنكدر: راوية جابر وصاحب الاستخارة

محمد بن المنكدر رحمه الله

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

نسبه وعلمه

هو أبو عبد الله محمد بن المنكدر بن عبد الله التيمي القرشي، المدني، من كبار التابعين وعلمائهم وعبادهم. روى عن جابر بن عبد الله وعائشة وأبي هريرة وابن عمر وأبي أيوب الأنصاري وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم. وذكر الذهبي أنه كان يلقب بسيد القراء، وأن له منزلة في العلم والفتوى بالمدينة. وتوفي سنة ثلاثين ومئة أو بعدها بقليل على اختلاف في تحديد سنة وفاته. وقد أُفردت له قصص مستقلة في خبر موته وخشيته من آية في كتاب الله وليلة بات يغمز رجل أمه، فلا نعيدها، وننظر هنا في بعض ما رواه من العلم الثابت.

قصة مرض جابر ونزول آية الكلالة

روى ابن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما حديثًا في الصحيحين يبين سبب نزول آية في آخر سورة النساء. قال جابر: مرضتُ فجاءني النبي ﷺ يعودني وأبو بكر ماشيين، فوجداني أُغمي علي، فتوضأ النبي ﷺ ثم صبّ علي من وضوئه فأفقت، فإذا النبي ﷺ، فقلت: يا رسول الله، كيف أقضي في مالي؟ فلم يردّ علي شيئًا حتى نزلت آية الميراث. والآية التي نزلت هي قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾. وهذه الآية الأخيرة من سورة النساء، وقد بيّنت ميراث الكلالة أي من يموت وليس له والد ولا ولد. وتتمة الآية: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ﴾. وفي بعض روايات الحديث في الصحيح أن جابرًا قال: إنما يرثني كلالة، أي ليس لي والد ولا ولد، فبيّنت الآية حكم الإخوة والأخوات. وقد تكلم ابن كثير في تفسير الآية على معنى الكلالة وأقوال الصحابة فيه. وفي الحديث أن النبي ﷺ عاد المريض وتوضأ وصبّ ماء وضوئه على جابر، وأن الوحي نزل بحكم مسألته، وأن جابرًا كان مريضًا مغمًى عليه. وفيه فضل عيادة المريض وأنها سنة النبي ﷺ وأبي بكر.

حديث الاستخارة

ومن أشهر مرويات ابن المنكدر عن جابر ما أخرجه البخاري من حديث الاستخارة: قال جابر: كان رسول الله ﷺ يعلّمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن. يقول: «إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به». قال: ويسمي حاجته. وفي الحديث أن الاستخارة تُشرع في الأمور المباحة التي لم يتبين وجه الخير فيها، وأن الإنسان يفوض أمره إلى الله بعد أن يبذل الأسباب، وأن الشعور بالطمأنينة والرضا بعد الاستخارة من ثمراتها، وأما الرؤى فليست شرطًا فيها. وهذا الحديث أصل عظيم في التوكل.

الاستخارة والاستشارة

والاستخارة لا تغني عن الاستشارة، فقد أمر الله نبيه ﷺ بالمشورة فقال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ من سورة آل عمران، ووصف المؤمنين بقوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ من سورة الشورى. ويشيع على الألسنة قول: ما خاب من استخار ولا ندم من استشار، ويُنسب إلى النبي ﷺ، وهو لا يصح حديثًا، وإن كان معناه صحيحًا من جهة الجمع بين الأمرين. فالمسلم يشاور أهل الرأي والصلاح، ويستخير ربه، ثم يتوكل ويمضي.

ما بقي من لذات الدنيا

ورُوي عن ابن المنكدر قوله: ما بقي من لذات الدنيا إلا ثلاث: قيام الليل، ولقاء الإخوان، والصلاة في جماعة. وهذا القول مذكور في «الحلية» و«السير» وكتب الزهد، ولا نعرف له إسنادًا محققًا، لكنه يعبّر عن حال العلماء الذين وجدوا لذتهم في العبادة والمصاحبة الصالحة. وقد قال النبي ﷺ فيما رواه مسلم: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» وفي رواية الصحيحين: «بسبع وعشرين». وأما قيام الليل فقد وصف الله عباده بقوله: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ من سورة السجدة. وقد فسّر ابن كثير الآية بأنهم يتركون النوم ويقومون في الصلاة رغبة ورهبة.

أدبه في الرواية

وكان ابن المنكدر معروفًا بالدقة في الرواية، ويظهر ذلك في رواياته المتفق عليها. وقد وثّقه أئمة الجرح والتعديل، واحتج به البخاري ومسلم. ومن المعلوم أن مثل هذه الحلقات العلمية المتصلة هي التي حفظت لنا السنة: صحابي كجابر، فتابعي كابن المنكدر، فتلميذه كسفيان الثوري وشعبة وغيرهم، ثم تصل إلى كتب الحديث.

إنفاقه وأثره

وتشير كتب التراجم إلى أنه كان كريمًا ينفق على إخوانه، وأنه كان يبيع ثوبه ليعطي المحتاج. وهذا الخبر يتناقله أصحاب التراجم، ولا نملك إسناده، فلا نذكر تفاصيل لا نثبتها. والثابت أنه رحمه الله من أهل الفضل والعبادة والعلم.

تنبيه على الدرجة

حديث جابر في مرضه ونزول آية الكلالة وحديث الاستخارة من رواية ابن المنكدر ثابتان في الصحيح. وثبتت في الجملة منزلته في العلم والعبادة وتوثيق الأئمة له. وقوله عن لذات الدنيا الثلاث وخبر إنفاقه وبيعه ثوبه وتسميته سيد القراء مشهورة بلا أسانيد محررة، وقد ذُكرت بالتمريض. وتاريخ وفاته مختلف فيه قليلًا.

العبرة

الاستخارة تفويض لله بعد بذل الأسباب، وأجمل ما في الدنيا لذة الطاعة وصحبة الصالحين.

المصدر: صحيح البخاري (كتاب الدعوات، باب الدعاء عند الاستخارة؛ وحديث عيادة جابر ونزول آية الكلالة)؛ صحيح مسلم؛ سور النساء والسجدة وآل عمران والشورى؛ تفسير ابن كثير؛ سير أعلام النبلاء؛ حلية الأولياء

الدرجة: حديثا عيادة جابر والاستخارة من روايته ثابتان في الصحيح؛ ومنزلته العلمية وتوثيق الأئمة له ثابتة في الجملة؛ وقوله في لذات الدنيا الثلاث وخبر إنفاقه وتسميته سيد القراء مشهورة بلا أسانيد محررة وقد ذُكرت بالتمريض؛ وتاريخ وفاته مختلف فيه.