Islamic MixIslamic Mix
‹ التابعون والزهاد
التابعون والزهادمشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

الفضيل بن عياض: من قطع الطريق إلى عابد الحرمين

الفضيل بن عياض رحمه الله

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

من هو الفضيل؟

هو أبو علي الفضيل بن عياض بن مسعود التميمي اليربوعي، من أئمة الزهد والحديث في القرن الثاني الهجري. وُلد في خراسان، وتذكر المصادر أن منشأه كان في ناحية أبيورد أو مرو، وقيل إن مولده بسمرقند ثم قدم الكوفة، ثم استقر في مكة المكرمة حتى توفي بها في المحرم سنة سبع وثمانين ومئة. وهو من أتباع التابعين، سمع من عدد من التابعين ومن أصحابهم، كمنصور بن المعتمر والأعمش وغيرهما، وروى عنه جماعة منهم الشافعي وابن المبارك ويحيى بن سعيد القطان. ووثّقه الأئمة، وأخرج له البخاري ومسلم.

الخبر المشهور في توبته

تُجمع كتب الزهد على ذكر قصة توبته، وقد أوردها أبو نعيم في «الحلية» والذهبي في «السير» وابن خلكان في «الوفيات» وغيرهم. وخلاصة ما رووه أنه كان في أول أمره يقطع الطريق بين أبيورد وسرخس، وأنه كان قد تعلق بجارية، فبينما هو يتسوّر الجدار إليها سمع قارئًا يقرأ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ فقال: بلى يا رب قد آن، فرجع، فآواه الليل إلى خربة فإذا فيها رفقة من المسافرين، وبعضهم يقول: نرتحل، وبعضهم يقول: حتى نصبح، فإن فضيلًا على الطريق يقطع علينا. قال: ففكرت وقلت: أنا أسعى بالليل في المعاصي وقوم من المسلمين ها هنا يخافونني، وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع، اللهم إني قد تبت إليك، وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام.

وهذه القصة مشهورة جدًّا، لكنها تُروى بأسانيد لا تخلو من ضعف، وفي تفاصيلها ما يشبه التلوين القصصي، فالأولى أن تُذكر بصيغة «يُروى» وألا يُبنى عليها حكم. والمتفق عليه أن الفضيل عاش عالمًا زاهدًا، وأنه استقر بمكة مجاورًا للبيت الحرام.

الآية التي سمعها

والآية المذكورة هي الآية السادسة عشرة من سورة الحديد، وتتمتها: ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. وقد فسّر ابن كثير الآية بأنها عتاب من الله للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكره وللقرآن وألا يشبهوا أهل الكتاب الذين قست قلوبهم لطول الأمد. وروى مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلا أربع سنين. فهذه الآية سبب في توبة الفضيل على الرواية المشهورة، وهي معروفة بأنها تحرك القلوب القاسية.

سعة باب التوبة

وسواء أثبتت تفاصيل القصة أم لا، فإن أصلها يشهد له القرآن والسنة. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ من سورة الزمر. وقال في عباد الرحمن: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ من سورة الفرقان. وفي الصحيحين قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا ثم قتل المئة، فسأل عالمًا هل له من توبة فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم دلّه على أرض صالحة يعبد الله فيها. وهذه القصة ثابتة في الصحيحين، وهي من أخبار من قبلنا الذي صحّ بها الحديث، فلا تدخل في الإسرائيليات المنهي عنها. وروى ابن ماجه عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له»، وقد حسّنه بعض العلماء.

أقواله في الإخلاص

اشتهر عن الفضيل قوله: «ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما». وهذا القول ينقله أبو نعيم والنووي في «الأذكار» وغيره، وإسناده في كتب الزهد غير محرر عندنا، لكن معناه حسن. ومعناه أن من ترك عملًا صالحًا خوفًا من أن يقول الناس عنه مرائيًا فقد جعل نظر الناس حاكمًا على عمله، وأن من عمل ليراه الناس فقد أشرك في العمل غير الله، وأن الإخلاص أن يعمل لله وحده ولا يلتفت إلى الناس. وفي الحديث القدسي الذي رواه مسلم: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه».

دعوة في السلطان

ويُنسب إلى الفضيل قوله: لو أن لي دعوة مستجابة ما جعلتها إلا في السلطان. فقيل له: كيف ذلك؟ فقال: متى جعلتها في نفسي لم تجاوزني، ومتى جعلتها في السلطان صلح فصلح بصلاحه العباد والبلاد. وهذا الكلام مشهور عنه في كتب الزهد والآداب السلطانية، وإسناده لم نقف عليه محققًا، ومعناه وجيه، فالدعاء للحاكم بالصلاح من منهج أهل السنة، وقد صح أن النبي ﷺ دعا للناس بالهداية كما في قوله لدوس: «اللهم اهد دوسًا وأت بهم».

قصصه مع الأخيار

وقد أُفردت في هذا الموقع قصص أخرى عن الفضيل، منها لقاؤه بهارون الرشيد، وخبر ابنه علي، ورسالة ابن المبارك إليه، فلا نكررها هنا. ويكفي أن نشير إلى أن الفضيل كان ممن لا يهاب الحكام في الحق، وأن الأئمة ككبار المحدثين كانوا يجلونه ويحضرون مجالسه في الحرم.

وفاته

توفي الفضيل في مكة سنة سبع وثمانين ومئة في المحرم على الأشهر، ودفن بها. وكان على جلالة قدره يعد نفسه مقصرًا، وهذا شأن الصالحين كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ من سورة المؤمنون.

تنبيه على الدرجة

ثبتت إمامة الفضيل وزهده ووفاته بمكة سنة 187هـ، وثبتت الآية التي سمعها وتفسيرها وحديث ابن مسعود في مسلم. أما قصة قطعه الطريق وتسوره الجدار فمشهورة جدًّا في كتب التراجم والزهد بأسانيد لا تخلو من ضعف، فنقلناها بصيغة «يُروى». وأقواله في الإخلاص والدعاء للسلطان مروية في الحلية بأسانيد لم تحرر ومعانيها صحيحة، وحديث «التائب من الذنب» حسنه بعض العلماء.

العبرة

باب التوبة مفتوح لكل مسرف، والإخلاص ألا تترك العمل ولا تعمله لأجل الناس.

المصدر: حلية الأولياء لأبي نعيم؛ سير أعلام النبلاء للذهبي؛ وفيات الأعيان لابن خلكان؛ سورة الحديد (الآية 16) وسور الزمر والفرقان والمؤمنون؛ تفسير ابن كثير؛ صحيح مسلم (حديث ابن مسعود في عتاب الآية، والحديث القدسي في الشرك، وقصة قاتل المئة في الصحيحين)؛ سنن ابن ماجه (التائب من الذنب)

الدرجة: إمامة الفضيل ووفاته بمكة والآية وتفسيرها وحديث مسلم ثابتة؛ وقصة توبته من قطع الطريق وتسور الجدار مشهورة جدًّا بأسانيد لا تخلو من ضعف فذُكرت بصيغة «يُروى»؛ وأقواله في الإخلاص ودعوة السلطان مروية بأسانيد لم تحرر ومعانيها صحيحة.