Islamic MixIslamic Mix
‹ التابعون والزهاد
التابعون والزهادمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

إبراهيم بن أدهم: ترك الملك وأكل من عمل يده

إبراهيم بن أدهم رحمه الله

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

من بلخ إلى الشام

هو أبو إسحاق إبراهيم بن أدهم التميمي، من أئمة الزهد في القرن الثاني الهجري. وُلد في بلخ بخراسان نحو سنة مئة للهجرة، ثم رحل إلى الشام وعاش فيها زاهدًا مجاهدًا، وتوفي في بلاد الشام على سواحل بحر الروم، وتختلف الروايات في سنة وفاته بين سنة إحدى وستين وثلاث وستين ومئة وما قاربها. وذكر الذهبي أنه كان قدوة في الزهد والورع، لكنه لم يكن من المكثرين من الحديث.

قصة تركه الدنيا

والمشهور في كتب الزهد أن إبراهيم كان من أبناء الملوك أو الأمراء في بلخ، وأنه خرج يومًا للصيد، فسمع صوتًا من خلفه يقول: يا إبراهيم، ما لهذا خُلقت، ولا بهذا أُمرت. فتاب وترك ما كان فيه، وأخذ جبة راعٍ ولبسها وأعطاه ثيابه، وخرج متجهًا إلى مكة. هذه القصة رواها أبو نعيم في «الحلية» وابن عساكر وغيرهما، وأسانيدها ضعيفة، وفي سياقها ما يشبه الخوارق التي لا تثبت. فلا نجزم بتفاصيلها ونذكرها حكاية لا أكثر. ويكفي أن نقول إن الثابت المشهور أن الرجل كان من أهل بلخ، وأنه ترك بلاده وعاش في الشام ناسكًا مجاهدًا يعمل بيده، وأن زهده كان شهيرًا عند معاصريه.

أطب مطعمك

يروى عن إبراهيم بن أدهم قوله: «أطب مطعمك ولا عليك ألا تقوم الليل ولا تصوم النهار». وهذه الكلمة تنقلها كتب الزهد، وإسنادها لم يحرر، لكنها تلخص عنده أهمية الحلال في الطعام. ولا يصح أن يُفهم منها التهاون بالصلاة بالليل أو الصيام، فالمقصود المبالغة في تعظيم الكسب الحلال، فإن الحرام يفسد العبادة. وقد روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا»، وذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغُذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك. وفي الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ من سورة المؤمنون، وقد فسّر ابن كثير الآية بأن الأكل من الحلال عون على العمل الصالح.

عمل اليد

وتذكر كتب التراجم أن إبراهيم كان يعمل في الحصاد وحراسة البساتين وغيرهما ليأكل من كسب يده ولا يطلب من أحد. وهذا يتفق مع الحديث الذي رواه البخاري عن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه عن النبي ﷺ: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده». وأخبار تفاصيل أعماله في كتب الزهد منها ما هو مشهور وغير محقق.

ومن القصص التي تُروى عنه أنه كان يحرس بستانًا لرجل، فجاءه صاحب البستان وطلب منه رمانًا، فأحضر له ثمرًا حامضًا، فقال له: ألم تعلم الحلو من الحامض وأنت هنا مدة؟ فقال: إنما استأجرتني لأحرس لا لآكل. فعجب الرجل من ورعه. هذه القصة مشهورة في كتب الزهد، ولم نقف لها على إسناد صحيح، ولا ينبغي الجزم بتفاصيلها، لكنها تصور شدة تحري الحلال. وأصل المعنى أن المؤتمن على شيء لا يأخذ منه إلا بإذن صاحبه، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ من سورة النساء.

من هم الزهاد حقًّا

ولا بد من التنبيه إلى أن الزهد في الإسلام ليس فقرًا مقصودًا لذاته ولا ترك الأسباب، فقد كان النبي ﷺ وأصحابه يعملون ويكسبون، وكان منهم الأغنياء الشاكرون كعثمان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما. وقد فسّر العلماء الزهد بأنه ترك ما لا ينفع في الآخرة، وأن يكون القلب متعلقًا بالله لا بالمال. وقد قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ من سورة القصص.

الجهاد والرباط

وكان إبراهيم من أهل الجهاد والرباط على الثغور، وذكر ابن عساكر وغيره أنه مات وهو غاز في سبيل الله. وقد جاءت في الجهاد والرباط أحاديث صحيحة، منها ما رواه مسلم عن سلمان رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأُجري عليه رزقه وأمن الفتان». وأما تفاصيل مغازيه ووفاته ودفنه فمحل خلاف ولا يصح الجزم بها.

الدعاء الجليل

ورُوي عنه دعاء: «اللهم انقلني من ذل معصيتك إلى عز طاعتك». وهو مذكور في «الحلية»، ولا نقطع بإسناده، لكن معناه يتفق مع قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ من سورة فاطر، وقد فسّره ابن كثير بأن من أراد العزة فليلزم طاعة الله، فإنه يجدها كلها عنده.

حب الخمول

ويُروى عن إبراهيم أنه قال: ما صدق الله من أحب الشهرة. وهذا المعنى مستفاد من الحديث الذي رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي». والخفي: الذي لا يظهر نفسه ولا يطلب الشهرة. ولذلك كان كثير من الصالحين يكرهون الظهور، مع أن بعض أهل العلم يرون أن ظهور العالم إذا كان لنفع الناس بلا تصنع ولا طلب سمعة فلا حرج فيه.

تنبيه على الدرجة

ثبت في الجملة أن إبراهيم بن أدهم من أهل بلخ وأنه عاش زاهدًا مجاهدًا في الشام وتوفي بها، وأنه من أئمة الزهد. أما قصة كونه أميرًا وهاتف الصيد وتبديل الثياب فمشهورة بأسانيد ضعيفة، وقصة بستان الرمان مشهورة غير محررة، وأقواله «أطب مطعمك» و«اللهم انقلني» و«ما صدق الله من أحب الشهرة» مروية بأسانيد لم تحرر، ومعانيها صحيحة، وسنة الكسب الحلال ثابتة في الصحيح.

العبرة

طيب المطعم أصل قبول العمل، والعزة في طاعة الله لا في الجاه والمال.

المصدر: حلية الأولياء لأبي نعيم؛ سير أعلام النبلاء للذهبي؛ تاريخ دمشق لابن عساكر؛ صحيح البخاري (كتاب البيوع، حديث المقدام: ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من عمل يده)؛ صحيح مسلم (حديث إن الله طيب؛ ورباط يوم وليلة؛ وإن الله يحب العبد التقي الغني الخفي)؛ سور المؤمنون والنساء وفاطر؛ تفسير ابن كثير

الدرجة: نشأته في بلخ وإقامته بالشام وزهده وجهاده ثابتة في الجملة؛ وقصة كونه أميرًا وهاتف الصيد وتبديل الثياب ضعيفة الأسانيد وقد نُبّه عليها؛ وقصة بستان الرمان مشهورة غير محررة؛ وأقواله مروية بأسانيد لم تحرر ومعانيها صحيحة؛ والأحاديث المذكورة ثابتة في الصحيحين.