Islamic MixIslamic Mix
‹ التابعون والزهاد
التابعون والزهادمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

معروف الكرخي: الزاهد الذي أثنى عليه أحمد

معروف الكرخي رحمه الله

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

كرخ بغداد

هو أبو محفوظ معروف بن فيروز الكرخي، من زهاد بغداد المشهورين في أواخر القرن الثاني الهجري. نُسب إلى الكرخ، وهي محلة في بغداد على الأرجح. وقد توفي سنة مئتين أو إحدى ومئتين على اختلاف، ودفن في بغداد. وهو من أهل الزهد والصلاح، لكنه لم يكن من كبار المحدثين، ولذلك كان يُقال عن علمه قصير، وسنأتي على خبر ذلك.

خبر إسلامه

والمذكور في ترجمته عند الخطيب البغدادي وابن الجوزي والذهبي أنه كان أبواه نصرانيين، أو صابئين على رواية، وأنه أُسلم صغيرًا إلى معلم يعلمه، فقال له المعلم: قل ثالث ثلاثة. فقال: بل هو الله الواحد. فضربه المعلم ضربًا شديدًا، فهرب. وكان أبواه يقولان: ليته يرجع إلينا على أي دين شاء فنوافقه. ثم أسلم، ويذكرون أنه رجع بعد ذلك فأسلم أبواه. وهذه القصة مشهورة، ولكن أسانيدها غير ثابتة، وفيها اختلاف، فمنهم من يقول إنه أسلم على يد علي بن موسى الرضا، وقد استبعده الذهبي فيما نُقل عنه، فالأمانة أن نقول إن سبب إسلامه ووقته ومن أسلم على يده من الأمور غير المحررة.

وفي القصة، إن صحت، أصل التوحيد الذي دلت عليه سورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وقد دلت آية المائدة على بطلان التثليث: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾، وفسّرها ابن كثير ببيان أن الله واحد لا شريك له وأن من قال بالثالوث كفر.

ثناء أحمد بن حنبل

ومن أشهر ما يُذكر في ترجمته ما نقله الذهبي وغيره أنه قيل للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: إن معروفًا الكرخي قصير العلم. فقال: أمسك عافاك الله، وهل يراد من العلم إلا ما وصل إليه معروف؟ وهذا الخبر مشهور عن أحمد، وإسناده في كتب الطبقات لم نحققه، لكنه يعبر عن أن العلم النافع هو الذي يثمر خشية الله والعمل، وليس مجرد كثرة المحفوظات. وهو يتفق مع قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾.

من أقواله

ويُنسب إلى معروف أقوال في الزهد والعمل. منها قوله فيما رُوي: «إذا أراد الله بعبد خيرًا فتح له باب العمل وأغلق عنه باب الجدل، وإذا أراد بعبد شرًّا فتح له باب الجدل وأغلق عنه باب العمل». وهذا المعنى معروف ومشهور بين الزهاد، ويشهد له حديث أبي أمامة رضي الله عنه عند الترمذي أن النبي ﷺ قال: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل»، ثم تلا: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾. والحديث حسنه بعض العلماء. وهذا لا يعني ترك المناظرة بالحق، فقد قال الله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ من سورة النحل، وإنما المراد الجدال بالباطل أو بلا علم أو لمجرد المراء.

ومما يُنسب إليه أيضًا قوله: ما أكثر الصالحين وأقل الصادقين. وهي عبارة وعظية لا نعلم لها إسنادًا، والمقصود بها الدعوة إلى الصدق في العمل. وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ من سورة التوبة.

العلم والعمل

ويفيد خبر ثناء أحمد في تقدير الإنسان بعمله لا بكثرة روايته. وقد ذم الله من يقول ما لا يفعل فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ من سورة الصف. وفي الحديث الصحيح أن العبد لا تزول قدماه يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه وعن علمه ماذا عمل فيه، رواه الترمذي وغيره من حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه، وهو حديث صحيح عند كثير من العلماء. فالعلم حجة لصاحبه أو عليه، والعبرة بالعمل به.

وصيته عند الموت

ويروي الخطيب وغيره أنه قيل له وهو يحتضر: أوصِ. فقال: إذا مت فتصدقوا بقميصي، فإني أحب أن أخرج من الدنيا عريانًا كما دخلتها. وهذا الخبر مشهور، وإسناده غير محرر. ويجب أن يفهم على أن المقصود قميصه الذي يلبسه، أما الكفن فواجب على الميت من ماله كما هو معروف في الفقه، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ كُفّن في ثلاثة أثواب بيض سحولية. ولا يصح أن يُفهم من الخبر ترك الكفن. والمعنى أنه أراد الزهد وعدم التعلق بشيء من الدنيا حتى ثيابه.

ما اشتهر بين العامة

واشتهر عند العامة التبرك بقبر معروف الكرخي، ونُقلت في ذلك عبارات عن بعض المتقدمين لا تثبت دليلًا شرعيًّا. ولا بد من التنبيه إلى أن التبرك بالقبور أو دعاء أصحابها أو طلب الحوائج منهم مما نهى عنه الشرع، فقد قال النبي ﷺ فيما رواه مسلم: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك». والصالحون أنفسهم كانوا أبعد الناس عن ذلك، والاقتداء بهم يكون في العمل الصالح والإخلاص، لا في تعظيم قبورهم.

تنبيه على الدرجة

ثبت في الجملة أن معروفًا الكرخي من زهاد بغداد وصالحيها وأنه توفي بحدود سنة مئتين. وخبر إسلامه وضرب المعلم له وإسلام أبويه مشهور بلا إسناد ثابت، وكونه أسلم على يد الرضا ضعيف أو بعيد. وثناء أحمد عليه وقوله في الجدل ووصيته بقميصه أخبار مشهورة لم نقف على أسانيدها المحققة. وتعظيم قبره عند العامة مما لا أصل له في الشرع، ويخالف ما كان عليه الصالحون.

العبرة

العلم النافع ما أورث الخشية والعمل، وترك الجدال بالباطل من علامات الخير، ولا يجوز التبرك بقبور الصالحين.

المصدر: تاريخ بغداد للخطيب البغدادي؛ سير أعلام النبلاء للذهبي؛ صفة الصفوة لابن الجوزي؛ سورة الإخلاص والمائدة والنحل والتوبة وفاطر؛ تفسير ابن كثير؛ سنن الترمذي (حديث أبي أمامة في الجدل)؛ صحيح مسلم (النهي عن اتخاذ القبور مساجد)؛ صحيح البخاري ومسلم (كفن النبي ﷺ)

الدرجة: زهده وصلاحه ووفاته نحو سنة 200هـ ثابتة في الجملة؛ وخبر إسلامه وتفاصيله مشهور بلا إسناد ثابت، وإسلامه على يد الرضا بعيد؛ وثناء أحمد وأقواله ووصيته أخبار مشهورة غير محررة؛ وحديث الجدل حسنه بعض العلماء؛ والتبرك بقبره لا أصل له في الشرع.