من مرو إلى بغداد
هو أبو نصر بشر بن الحارث بن عبد الرحمن المروزي ثم البغدادي، الملقب بالحافي لأنه لم يلبس نعلًا. وُلد بمرو من خراسان نحو سنة خمسين ومئة، ثم سكن بغداد وتوفي بها سنة سبع وعشرين ومئتين. وهو من كبار الزهاد في زمانه، وقد روى الحديث عن بعض الأئمة كحماد بن زيد وعبد الله بن المبارك، وإن لم يكن من المكثرين. وكان يجالس الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، ويقدره الإمام أحمد.
قصة توبته
والمشهور في كتب التراجم، كما أورده الخطيب البغدادي وابن الجوزي والذهبي، أن بشرًا كان في أول أمره صاحب لهو وشراب، ثم مرّ في الطريق فوجد ورقة مكتوبًا فيها اسم الله، وقد وطئتها الأقدام، فرفعها واشترى بدراهم طيبًا فطيّب الورقة وجعلها في موضع مرتفع. ثم نام فرأى في المنام قائلًا: يا بشر، طيّبتَ اسمي فلأطيبنك، أو كما قيل. فتاب. وهذه القصة مشهورة جدًّا في كتب التراجم والتصوف، ولكنها تروى بأسانيد غير ثابتة، ويتعلق بها حديث الرؤى الذي لا تبنى عليه الأحكام، ولذلك نذكرها بصيغة «يُروى» فقط. وإنما يؤخذ منها تعظيم اسم الله تعالى وكتابه، وقد قال سبحانه: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ من سورة الحج.
لماذا الحافي؟
وذكرت كتب التراجم أسبابًا لتسميته الحافي، منها أنه كان يصلح نعله فانقطع شسعه فلم يلبس بعد ذلك نعلًا، ومنها أنه قال إن الأرض بساط الله فلا أطأها بنعل. وهذه الروايات متباينة ولا يمكن الجزم بشيء منها، وليس في ترك النعل بذاته فضل شرعي، بل جاء في السنة الأمر بالانتعال: فقد روى مسلم عن جابر رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «استكثروا من النعال، فإن الرجل لا يزال راكبًا ما انتعل». وإنما كان عمل بشر اجتهادًا منه في الزهد لا يلزم أحدًا بالاقتداء به فيه، والسنة أولى بالاتباع.
ثناء أحمد
ويُذكر في ترجمته أن الإمام أحمد كان يجلّه، وأنه لما توفي بشر قال فيما رُوي: لقد ترك الدنيا وما ترك مثله. ويُروى عن أحمد أنه كان يزوره ويقول لمن عابه ما معناه أن بشرًا لا يتكلم بما لا يعلم. وهذه الأخبار يتناقلها أصحاب التراجم، ولم نقف على أسانيد صحيحة لها، لكن المتفق عليه أنه كان بين الرجلين تقدير متبادل.
التوبة وسعة بابها
وقصة بشر، سواء ثبتت بتفاصيلها أم لا، تنتمي إلى باب التوبة الذي فتحه الله لعباده في قوله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ من سورة النور. وروى مسلم عن الأغر المزني رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «يا أيها الناس توبوا إلى الله، فإني أتوب في اليوم إليه مئة مرة». وهذا يدل على أن التوبة ليست خاصة بأهل المعاصي الكبيرة، وأن الاستغفار شأن كل مؤمن. كما أن في الحديث الصحيح أن الله يفرح بتوبة عبده أشد من فرح أحدكم براحلته التي ضلت منه في أرض فلاة ثم وجدها. وهذه المعاني تفسر لماذا حرص المصنفون على ذكر قصص التائبين، لأنها تشجع من وقع في الذنب على الرجوع.
حرمة المصحف وما فيه ذكر الله
وفي قصة الورقة، إن ثبتت، تنبيه إلى وجوب احترام ما فيه ذكر الله من مصحف وغيره، فقد اتفق العلماء على أن المصحف يجب صونه عن الامتهان، وما عدا ذلك من الورق الذي فيه اسم الله فالأولى أن يصان عن المهانة، وتفصيل إزالته أو دفنه أو حفظه مذكور في كتب الفقه وليس هنا موضع بسطه. وليس في الشرع إيجاب تطييب الورقة أو غير ذلك مما فعله بشر، وإنما هو من صنيعه، فلا يلزم به غيره.
الورع والخفاء
ومن كلام بشر الذي يُروى عنه قوله: ما أعلم أحدًا أحب أن يُعرف إلا ذهب دينه وافتضح. وهذه من أقواله في الخمول، وقد أوردها أبو نعيم والخطيب، وإسنادها لم يُحرر. ويشهد لها في المعنى الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ قال: «إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي». وهذا لا يعني أن كل من ظهر فهو مذموم؛ فقد يظهر العالم لحاجة الناس إليه دون قصد السمعة، لكن حب الظهور في ذاته مرض يفسد النية.
حدود الورع
وفي ترجمة بشر ما يجعل المرء يتأمل في حدود الورع. فقد نُقل عنه شدة في أمور مباحة، كالتورع عن بعض أنواع الطعام والمعاملات ومجانبة السلطان وترك التحديث خوف الرياء، ويُروى عنه أنه دفن كتبه، وهذا خبر ثبّته بعضهم، وفيه أنه كان يرى كثرة الرواية فتنة. ولا يصح الجزم به، ولا ينبغي أن يؤخذ منه تحريم كتابة العلم، فإن النبي ﷺ أذن بالكتابة كما في قصة أبي شاه، وأجمع العلماء بعد ذلك على جوازها واستحبابها لحفظ العلم. وينبغي أن يفرق المسلم بين الاجتهاد الفردي في الزهد وبين الحكم الشرعي العام.
الوفاة
توفي بشر ببغداد في المحرم سنة سبع وعشرين ومئتين على المشهور. وذكر الخطيب أن جنازته حضرها خلق كثير، ولا نذكر أرقامًا لأننا لم نقف على عدد محقق.
تنبيه على الدرجة
ثبتت في الجملة سيرته: مروزي سكن بغداد وزهد وتوفي سنة 227هـ، وكان الإمام أحمد يعرف له قدره. وقصة الورقة المكتوب فيها اسم الله والرؤيا مشهورة جدًّا بأسانيد غير ثابتة فذُكرت بصيغة «يُروى». وأسباب تسميته بالحافي متعددة غير محررة. وثناء أحمد وقوله في الخمول وخبر دفنه كتبه وعدد المشيعين أخبار مشهورة لا تثبت بإسناد محقق عندنا. وترك النعل ليس سنة بل السنة الانتعال.
