عابد المدينة
هو أبو عبد الله صفوان بن سليم المدني الزهري مولاهم، من التابعين وعبادهم وفقهائهم بالمدينة. وصفه الذهبي في «السير» بأنه من العباد الثقات. روى عن جماعة من الصحابة والتابعين، وأخذ عنه مالك بن أنس وغيره من أهل المدينة، وتوفي سنة اثنتين وثلاثين ومئة على المشهور. وقد أخرج له البخاري ومسلم.
ثناء مالك
وأشهر ما يُروى عن شأنه ما رواه مالك أنه قال فيما نقله الذهبي: إنه كان من عباد الله الصالحين، وإنه لو قيل له: غدًا القيامة ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة. أي أنه كان قد بلغ في الاجتهاد درجة لو علم أن الساعة قائمة غدًا لم يجد ما يزيده على عمله. هذا القول ينسب إلى الإمام مالك في ترجمة صفوان، وأثره في الكتب مشهور، وإسناده في كتب التراجم لم نحققه. ومعناه يتفق مع حديث رواه أحمد وغيره عن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها». وهو حديث أخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفرد، وصححه بعض العلماء، ومعناه أن المؤمن يعمل ويحسن العمل ولو قامت الساعة.
الساعي على الأرملة
ومن أجمل ما يرتبط باسمه حديث رواه مالك في «الموطأ» عن صفوان بن سليم يرفعه إلى النبي ﷺ مرسلًا، وهو ثابت متصلًا في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال النبي ﷺ: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله، أو القائم الليل الصائم النهار». ومعنى الساعي: الذي يسعى لقضاء حوائجهم وينفق عليهم. والأرملة: التي مات زوجها، وقيل المحتاجة التي لا زوج لها، والمسكين: الذي لا يجد كفايته. والحديث يدل على عظم أجر القائم على شؤون الضعفاء، وأنه يشبه أجر المجاهد وأجر القائم الصائم الذي لا يفتر. وهو تطبيق عملي لقول الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ من سورة الإنسان، فقد فسّر ابن كثير الآية بوصف الأبرار الذين يطعمون المحتاجين رغم حاجتهم إلى الطعام.
وفي هذا الباب أحاديث أخرى صحيحة، كقول النبي ﷺ فيما رواه البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا»، وأشار بالسبابة والوسطى وفرّج بينهما. وفيها جميعًا الحث على رعاية الضعفاء، وأن العبادة لا تنفصل عن خدمة المحتاجين.
عبادة طويلة
وتنقل كتب التراجم والزهد أن صفوان كان يطيل القيام بالليل حتى تتورم ساقاه، وأنه كان يصلي في المسجد في أوقات كثيرة، ويذكر بعضهم أنه كان يسجد سجودًا طويلًا. ولم نقف على أسانيد محققة لهذه الأخبار، فنكتفي بذكر الصفة العامة المتفق عليها وهي عبادته الكثيرة. ويُشبه هذا ما ثبت في الصحيحين عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قام حتى تورمت قدماه، فقيل له: أتتكلف هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا». فالتشبه بالنبي ﷺ في كثرة العبادة شكرًا لله مشروع، لكن بما يطيقه الإنسان، فقد نهى النبي ﷺ عن التشدد في العبادة، وقال: «عليكم من الأعمال ما تطيقون» رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها.
العبادة والأسباب
وليس في عبادة صفوان ما يخالف العمل والكسب، فقد جاء في الصحيح ما يدل على الجمع بين الأمرين، ومنه قوله ﷺ: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز» رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه. فالمؤمن يحرص على ما ينفعه في دينه ودنياه، ويستعين بالله، ولا يستسلم للعجز.
وعظه لمن حوله
وتذكر كتب التراجم أن صفوان كان يلتقي بالناس ويوصيهم بتقوى الله، وأن الناس كانوا ينتفعون برؤيته قبل سماع كلامه. وهذا يروى في صفة بعض الصالحين، كقولهم: كنا إذا رأيناه ذكرنا الله. وقد جاء في حديث رواه ابن ماجه عن أسماء بنت يزيد أن النبي ﷺ سُئل عن خيار عباد الله فقال: «الذين إذا رؤوا ذُكر الله». والحديث في إسناده مقال عند أهل العلم، فلا نحتج به، وإنما نذكره لمعناه المأثور.
تعامل الإسلام مع الزهد
ومن الجدير بالذكر أن الإسلام لا يجعل الزهد ترك الدنيا بالكلية، فقد أثنى الله على من يجمعون بين الدنيا والآخرة بقوله: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ من سورة البقرة. والزهد الصحيح أن تكون الدنيا في اليد لا في القلب، وأن يؤدي الإنسان حق الله وحق الخلق. وسيرة صفوان تمثل صورة من صور هذا التوازن الصالح.
تنبيه على الدرجة
ثبتت في الجملة تابعيته وسكناه المدينة وعبادته وتوثيق الأئمة له ووفاته نحو سنة 132هـ. وحديث «الساعي على الأرملة والمسكين» رواه مالك عن صفوان مرسلًا وهو متفق عليه من حديث أبي هريرة. وقول مالك فيه «لو قيل له غدًا القيامة…» وأخبار تورم ساقيه وسجوده الطويل مشهورة في كتب التراجم بلا أسانيد محررة وقد ذُكرت بالتمريض. وحديث «الذين إذا رؤوا ذُكر الله» في إسناده مقال.
