من هو ربيعة؟
هو أبو عثمان ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ المدني، مولى لآل المنكدر من قريش، ويلقب بربيعة الرأي لكثرة اجتهاده في الفتوى بالرأي المبني على أصول الشرع. كان من فقهاء المدينة، روى عن أنس بن مالك رضي الله عنه وعن جماعة من التابعين، وروى عنه مالك بن أنس ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهما. وتوفي سنة ست وثلاثين ومئة، وقيل غير ذلك، بالأنبار أو الهاشمية في العراق على ما ذكره بعض المؤرخين. ومعنى «الرأي» في لقبه الاجتهاد الذي يرد المسائل إلى النصوص وقواعد الشريعة، وليس هو الهوى؛ فقد أقر النبي ﷺ معاذ بن جبل على الاجتهاد حين لم يجد في الكتاب والسنة، في حديث مشهور رواه أبو داود والترمذي وفي إسناده كلام عند بعض المحدثين.
قصة والده فروخ
يذكر ابن خلكان والذهبي وغيرهما قصة مشهورة عن أبيه فروخ: أنه خرج في البعوث إلى خراسان أيام بني أمية وزوجته حامل بربيعة، وترك عندها مالًا، وغاب سنين طويلة. فلما عاد إلى المدينة بعد زمن طويل التقى بابنه وقد صار من أهل العلم، وعلم أن أمه عنيت بتعليمه في غيبة أبيه. هذا ملخص القصة كما تُروى، وهي مشهورة في كتب التراجم، ولكنها تروى بصيغ مطولة فيها حوارات وأرقام وتفاصيل لم نقف على إسناد صحيح لها، وفي بعض رواياتها ما يُستشكل من جهة التاريخ، وفيها ما يشبه الحكايات القصصية، ولذلك لا نبني عليها شيئًا ولا نسوق تفاصيلها، ونذكر فقط أنها مشهورة، وأن الثابت أن ربيعة نشأ في المدينة وتعلم فيها وصار من علمائها. وفي فضل رعاية الأم للأبناء وتعليمهم ما يوافق قول النبي ﷺ: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» متفق عليه من حديث ابن عمر.
سؤال ربيعة لسعيد بن المسيب
ومن الأخبار الثابتة في كتب السنة ما رواه الإمام مالك في «الموطأ» عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه سأل سعيد بن المسيب: كم في إصبع المرأة؟ فقال: عشر من الإبل. فقال: كم في إصبعين؟ قال: عشرون. قال: كم في ثلاث؟ قال: ثلاثون. قال: كم في أربع؟ قال: عشرون. فقال ربيعة: حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها؟ فقال سعيد: أعراقي أنت؟ قال ربيعة: بل عالم متثبت أو جاهل متعلم. فقال سعيد: هي السنة يا ابن أخي. هكذا في «الموطأ» في باب ما جاء في دية جراح المرأة.
وفي هذا الخبر عدة فوائد. أولها أدب السؤال: فقد عرض ربيعة إشكاله العقلي على سعيد، وأجابه سعيد بأنه يتبع السنة، ولم يغضب من الاعتراض إلا بعد أن ظن أنه من أهل العراق الذين اشتهروا بكثرة الرأي حينئذ. وثانيها أن ربيعة بيّن موقفه بقوله إنه إما عالم يتثبت أو جاهل يتعلم، وهي عبارة تعبر عن التواضع وعن الجد في طلب الحق. وثالثها أن سعيدًا أرجع المسألة إلى السنة العملية في المدينة وقال: هي السنة، فاستسلم لها ربيعة. ويعد هذا الخبر أصلًا لدى المالكية في تقدير دية الأصابع، إذ أخذوا بهذه السنة المدنية فجعلوا دية المرأة كدية الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث أو جاوزته كانت على النصف. أما جمهور الفقهاء من غير المالكية فيرون أن دية المرأة على النصف من دية الرجل مطلقًا في النفس وما دونها، والمسألة معروفة في كتب الفقه المقارن، ولا نرجّح هنا، وإنما نذكر الخبر.
مالك وربيعة
وكان مالك بن أنس من أخص تلاميذ ربيعة وأكثرهم أخذًا عنه. ويُروى أن مالكًا قال عن ربيعة: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة. وهذا الخبر رواه الذهبي وغيره، ولم نقف على إسناده المحقق. وقد روى مالك في «الموطأ» عن ربيعة عددًا من الأحاديث والآثار في أبواب مختلفة. وتوضح هذه التلمذة أن منهج الإمام مالك قام على علماء المدينة وعمل أهلها، وكان ربيعة أحد أعمدته.
منهج الرأي المنضبط
وقد وقع الجدل بين العلماء قديمًا حول أهل الحديث وأهل الرأي، وكان ربيعة يُنسب إلى أهل الرأي، لكن رأيه في الواقع كان منضبطًا بالأصول، فهو لم يقدّم رأيه على نص، بل يستدل بالسنة ويعمل بعمل أهل المدينة. وكان الأئمة يثنون عليه مع هذا اللقب. وفي القرآن الأمر بالتفكر والتدبر، وهو أصل في النظر، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ من سورة محمد. وفسّر ابن كثير الآية بالحث على تدبر القرآن وفهمه. لكن الرأي المحمود هو الذي يبنى على الدليل، أما الرأي المذموم فهو القول في الدين بلا علم، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.
بكاؤه من غياب العلم
ويذكر الذهبي عن مالك خبرًا عن بكاء ربيعة، قال مالك: دخلت على ربيعة فوجدته يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ أمصيبة دخلت عليك؟ فقال: لا، ولكن استفتي من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم. وقال: ولبعض من يفتي هاهنا أحق بالسجن من السراق. وهذا الخبر في كتب العلم والتراجم، ومنه قول الذهبي وابن عبد البر، وإسناده لم نقف عليه محققًا، لكن معناه ثابت: فقد جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا».
تنبيه على الدرجة
ثبت في الجملة أن ربيعة من فقهاء المدينة، شيخ مالك، ولقبه ربيعة الرأي، وتوفي سنة 136هـ على الأرجح. وخبر سؤاله سعيد بن المسيب في دية الإصبع في «الموطأ» عن مالك. وقصة فروخ وأمه وأرقامها مشهورة بلا إسناد صحيح، فذُكرت إجمالًا. وقول مالك في حلاوة الفقه وخبر بكاء ربيعة مشهوران بلا إسناد محقق، وحديث عبد الله بن عمرو في قبض العلم متفق عليه، وحديث معاذ في الاجتهاد في إسناده كلام.
