من هو نافع؟
هو أبو عبد الله نافع مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، أحد أئمة التابعين وفقهاء المدينة، وكان من أثبت الناس رواية عن ابن عمر. واختلفت الروايات في أصله، فقيل إنه من أهل المغرب، وقيل من أهل فارس أو من بلاد المشرق، وقيل إن ابن عمر أصابه في إحدى الغزوات. وقد توفي بالمدينة سنة سبع عشرة ومئة أو بعدها بقليل على اختلاف يسير. ولسنا نجزم بأصله ولا بكيفية وصوله إلى ابن عمر، فهذا مما اختلف فيه المترجمون، والذي لا خلاف فيه أنه لزم ابن عمر زمنًا طويلًا، حتى ضُرب به المثل في الرواية عنه.
أصح الأسانيد
نقل أهل الحديث عن الإمام البخاري أنه قال: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر. وسُميت هذه السلسلة «سلسلة الذهب» عند المحدثين. وذلك لأن مالكًا من أثبت الناس في الحفظ والضبط، ونافعًا من أثبت الناس في ابن عمر، وابن عمر من أعلم الصحابة بسنة النبي ﷺ وأشدهم حرصًا على اتباعها. وقد روى مالك في «الموطأ» والبخاري ومسلم وأصحاب السنن عن نافع عن ابن عمر مئات الأحاديث في الصلاة والحج والبيوع وغيرها. وقد تلقت الأمة هذه الأسانيد بالقبول، ومن أمثلتها ما في الصحيحين من رواية نافع عن ابن عمر في النهي عن بيع بعضكم على بيع بعض.
اتباع ابن عمر لأثر النبي ﷺ
ومن أبرز ما رواه نافع عن شيخه ابن عمر شدة تتبعه لآثار رسول الله ﷺ. فقد روى أبو نعيم والذهبي أن نافعًا قال: لو نظرت إلى ابن عمر إذا اتبع أثر النبي ﷺ لقلت هذا مجنون. وهذا الخبر مشهور، وإسناده في كتب الآثار لم نحققه. ومعناه أن ابن عمر كان يصلي في الأماكن التي صلى فيها النبي ﷺ، وينزل حيث نزل، تأسيًّا به. وفي صحيح البخاري باب خاص بالمساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي ﷺ، وفيه روايات عن ابن عمر في تحريه الصلاة في تلك الأماكن. ولا ينبغي أن يُفهم من ذلك أن اتباع مواضع النبي ﷺ سنة لازمة للأمة، فقد خالفه فيها أبوه عمر رضي الله عنه حين رأى الناس يتتبعون مكان صلاة النبي ﷺ فأنكر عليهم، وفي ذلك قصة معروفة في كتب الآثار لم نقف على إسنادها. والخلاصة أن عمل ابن عمر كان اجتهادًا منه، ومنهج أهل العلم أن الاتباع يكون في الأعمال التعبدية المقصودة، لا في كل ما فعله النبي ﷺ بحكم العادة أو الاتفاق.
عتقه
ويُروى أن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب عرض على ابن عمر شراء نافع بثمن كبير، فاستشار ابن عمر نافعًا أو أخبره، ثم أعتقه لله تعالى. وقد ذكره ابن سعد والذهبي في ترجمة نافع، ولا نذكر الثمن لأن الروايات مختلفة فيه ولم نحرر إسنادها. وإن صح فمعناه أن ابن عمر رأى في عتق نافع وجهًا لله تعالى أحب إليه من المال. وقد وردت فضائل عظيمة في العتق، فقال النبي ﷺ: «أيما رجل أعتق امرأً مسلمًا استنقذ الله بكل عضو منه عضوًا منه من النار» متفق عليه من حديث أبي هريرة. ويُروى عن نافع أن ابن عمر ما مات حتى أعتق عددًا كبيرًا من الرقيق، وقد ورد في بعض الروايات رقم كبير، ولا نذكره لأن إسناده غير محرر.
إرسال عمر بن عبد العزيز له إلى مصر
وذكر الذهبي وغيره أن الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله بعث نافعًا إلى مصر ليعلم أهلها السنن، فجلس فيها يعلمهم زمنًا. وهذا الخبر مشهور في ترجمته، ولم نقف على إسناد مفصل له، لكنه يوافق ما ثبت عن عمر بن عبد العزيز من الاهتمام بنشر العلم، وقد أُفردت قصة مستقلة عن أمره بكتابة السنة. وقد أمر النبي ﷺ بالتبليغ فقال: «بلغوا عني ولو آية» رواه البخاري من حديث عبد الله بن عمرو. وكان نافع من أمثلة المبلغين الذين انتقلوا لنشر العلم.
فقهه واعتداله
وإلى جانب الرواية كان لنافع نظر في الفقه، وكان من علماء المدينة الذين يُرجع إليهم. وعلم ابن عمر الذي رواه نافع علم مبارك، فإن ابن عمر معروف بالورع وقلة الفتيا، وكان يقول لا أدري كثيرًا، وهذا من علامات رسوخ العلم. وقد قال النبي ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم: «نِعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل»، قال سالم: فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلًا. وهو حديث ثابت يدل على فضل قيام الليل وعلى سرعة استجابة ابن عمر لتوجيه النبي ﷺ، وقد حمل نافع ومن بعده هذه السيرة العطرة لمن بعدهم.
أمانة الراوي
وذكر الأئمة أن نافعًا كان ثقة ثبتًا، وقد احتج به الشيخان، وكان من حفظ الله لهذه الأمة أن جعل في كل طبقة من يتقن الرواية. وكان من أدب هذه الرواية أن يحرصوا على اللفظ، فيقولون: سمعت ابن عمر. وفي القرآن الأمر بالتثبت في النبأ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ من سورة الحجرات، وهي أصل في قبول الأخبار.
وفاته
توفي نافع بالمدينة سنة سبع عشرة ومئة تقريبًا، وكان قد أدرك خلقًا من التابعين وروى عنه كبار الأئمة كمالك والأوزاعي والليث بن سعد وعبيد الله بن عمر وأيوب السختياني. وبقيت أحاديثه متداولة في كل كتب السنة.
تنبيه على الدرجة
ثبت أن نافعًا مولى ابن عمر من أئمة التابعين الثقات، وأن رواية مالك عنه عن ابن عمر عدها البخاري أصح الأسانيد. وأخبار أصله وعتقه من ابن عمر وثمنه وعدد من أعتقهم ابن عمر مشهورة بلا أسانيد محررة. وقول نافع «لو نظرت إلى ابن عمر…» وإرسال عمر بن عبد العزيز له إلى مصر وإنكار عمر على متتبعي مواضع صلاة النبي ﷺ مشهورة غير محررة، فنقلناها بالتمريض.
