حافظ الكوفة
هو أبو عمرو عامر بن شراحيل الشعبي الحميري الهمداني، من كبار التابعين وعلمائهم في الكوفة. ولد في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حدود سنة تسع عشرة أو إحدى وعشرين، وتوفي نحو سنة ثلاث ومئة أو بعدها، وقد اختلف المؤرخون في سنة وفاته بين سنة ثلاث ومئة وعشر. أدرك عددًا كبيرًا من الصحابة، قيل إنه لقي خمسمئة منهم، وهو رقم مشهور ذكره بعض أهل العلم، ولا نجزم به. وقد كان إمامًا في الحفظ والفتيا والقضاء والمغازي والشعر.
حفظه
وينقل الذهبي في «السير» عن الشعبي أنه قال: ما كتبت سوداء في بيضاء، ولا حدثني رجل بحديث إلا حفظته، ولا أحببت أن يعيده علي. وهذا الكلام مشهور عنه، وهو ما نقله أهل التراجم، وأشاروا إلى حفظه العجيب. وإسناده غير محرر، لكنه يتفق مع ما اشتهر عنه من الضبط. وقد ذكر العلماء أنه كان يستنكر الاعتماد على الكتب وحدها ويؤكد أهمية الحفظ، ولكن ذلك لا يعني النهي عن الكتابة، فقد أذن النبي ﷺ فيها كما في حديث أبي شاه.
الحلال بين والحرام بين
ومن أعظم ما رواه الشعبي حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما في الصحيحين: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الحلال بين وإن الحرام بين، وبينهما مشبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه. ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه. ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». وقد عده النووي أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام في أربعينه. وفيه أن الأمور ثلاثة: واضح الحلال، وواضح الحرام، ومشتبه، وأن من ترك الشبهات حفظ دينه وعرضه، وأن صلاح القلب مدار صلاح الأعمال.
شرح موجز لحديث الشبهات
قال العلماء في شرح هذا الحديث إن المشتبه ما لم يتضح حكمه لأكثر الناس، أما أهل العلم الراسخون فقد يعلمون حكمه بالدليل. والورع المطلوب فيه أن يتوقى المسلم ما اشتبه عليه من غير وسوسة ولا تنطع، فلا يحرّم على نفسه ما أحله الله بمجرد الوهم، ولا يقتحم ما فيه ريبة. وقد قال النبي ﷺ في حديث الحسن بن علي رضي الله عنهما رواه الترمذي والنسائي: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، وهو حديث صحيح. وهكذا تتكامل الأحاديث في تقرير أن القلب الحي يميز، وأن صلاح القلب بالتقوى وصلاح الجسد تبع له.
الرحلة في طلب الحديث
ومن الأخبار الثابتة في صحيح البخاري عن الشعبي أنه حدّث رجلًا من أهل خراسان بحديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي ﷺ: «ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد، والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت عنده أمة فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران». ثم قال الشعبي للرجل ما معناه: أعطيناك هذا الحديث بغير مقابل، وقد كان الرجل يرحل فيما دونه إلى المدينة. أي أن الناس كانوا يسافرون إلى المدينة في طلب حديث دون هذا في الأهمية. وهذا في كتاب العلم من صحيح البخاري. وفيه ما يدل على قيمة العلم وتعب السلف في تحصيله، وعلى أن من وصله العلم بلا عناء ينبغي أن يقدّره. وقد جاء في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة». وفي القرآن الحث على التفقه والنفر له: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ من سورة التوبة، أي أن طائفة تخرج للتفقه ثم تعود فتعلّم قومها.
مع الحجاج
ويذكر المؤرخون أن الشعبي خرج مع عبد الرحمن بن الأشعث على الحجاج، ثم لما هُزم ابن الأشعث اختفى الشعبي مدة، ثم أمّنه الحجاج. وتُروى حكاية لقائه بالحجاج وأنه اعتذر عن خروجه بعبارات بليغة، منها أنهم أصابتهم فتنة لم يكونوا فيها بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء، فعفا عنه. هذه الحكاية في كتب الأدب والتاريخ، منها ما رواه ابن خلكان والذهبي، وأسانيدها لم نحققها، وهي من الأخبار القصصية التي تحتاج إلى تثبت، فلا نجزم بألفاظها. والقدر الثابت أنه كان ممن خرجوا مع ابن الأشعث ثم نجا، وأنه اشتغل بعد ذلك بالعلم. وكما بينّا في سيرة غيره، فإن العلماء اختلفوا في الخروج، ومنهم من نهى كالحسن البصري، ولا يصح أن نجعل أحدًا ميزانًا للحق دون النص.
القضاء والفتوى
وتذكر كتب التراجم أن الشعبي وُلّي القضاء في الكوفة مدة، وكان معروفًا بدقته في المسائل. وكان يقول إذا سئل ما لا يعلم: لا أدري. ويرون أنه كان يقول: «لا أدري» نصف العلم، وهذه العبارة تنسب إلى غيره أيضًا. وفي هذا أدب العالم الذي لا يتجاوز علمه. وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ من سورة الإسراء.
تنبيه على الدرجة
ثبتت في الجملة جلالة الشعبي وحفظه وروايته عن الصحابة. وحديث النعمان بن بشير من روايته في الصحيحين، وقصة حديث أبي موسى وقوله «خذها بغير شيء» في صحيح البخاري. أما كونه لقي خمسمئة صحابي وقوله في الحفظ وحكاية اعتذاره للحجاج وتولي القضاء فمشهورة غير محررة الأسانيد، وقد نُبّه على ذلك. وسنة وفاته مختلف فيها.
