Islamic MixIslamic Mix
‹ محن وأحداث كبرى
محن وأحداث كبرىموثّقمدة القراءة نحو ٤ دقائق

يوم الجمل: حين التقى أهل الإسلام وهم يريدون الصلح

علي وعائشة وطلحة والزبير رضي الله عنهم

بعد مقتل عثمان

قُتل عثمان رضي الله عنه في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وبقيت المدينة بلا خليفة أيامًا، ثم بايع الناس عليًّا رضي الله عنه. وقد رأى كثير من الصحابة أن الأمر الأول هو القصاص من قتلة عثمان، ورأى علي أن البلد مضطرب والقتلة كثيرون وقد اختلطوا بأهل الحواضر، فلا بد من إقرار الأمر أولًا ثم القصاص. وكان الخلاف في الاجتهاد لا في الأصل.

وكانت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قد خرجت إلى مكة حاجّة، فلما بلغها الخبر عزمت على السير إلى البصرة، وانضم إليها طلحة والزبير رضي الله عنهما، وقد خرجا من المدينة. وكان خروجها في طلب الإصلاح بين الناس، كما ذكر ابن حجر في الفتح، لا في طلب الحكم ولا للقتال، وقد أقرّ بذلك أهل العلم.

رواية الحوأب

وروى الإمام أحمد من حديث عائشة أن النبي ﷺ قال لنسائه: «ليت شعري أيتكن صاحبة الجمل الأدْبَب، تخرج فتنبحها كلاب الحَوْأب، يُقتل عن يمينها وعن شمالها قتلى كثيرة، وتنجو بعدما كادت». وصحّح إسناده جماعة من المحققين. ولما بلغت ماء الحوأب في طريقها إلى البصرة وسمعت نباح الكلاب تذكرت الحديث وطلبت الرجوع. ويذكر الطبري أن بعضهم أتى بشهود زورًا ليقنعها بأن الماء ليس الحوأب. وهذه الزيادة من رواية أخبارية ضعيفة، ولا يثبت منها ما يُشعر بالتعمد. وقد ذكر العلماء أن الحديث ليس فيه ذم لعائشة، وإنما هو من الإخبار بالغيب ومن علامات النبوة.

البصرة وصلح كاد يتم

وصلت عائشة ومن معها إلى البصرة، وسبق ذلك مفاوضات بين الطرفين، وجاء علي بعد ذلك إلى ذي قار ثم إلى البصرة. وأرسل إلى الكوفة ابنه الحسن وعمار بن ياسر يستنفران الناس. وفي صحيح البخاري عن أبي وائل قال: خطبنا عمار فقال: إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي. وفيه أن عمارًا مع شدة موقفه لم ينتقص أم المؤمنين بل نصّ على أنها زوجة النبي ﷺ في الجنة. وهذا أدبٌ ينبغي أن يُحتذى.

وذكر المؤرخون أن الطرفين مالا إلى الصلح في الأيام الأولى، وأرسل القعقاع بن عمرو التميمي رسولًا بينهما، وأن الاتفاق كاد يقع، لولا أن أصحاب الفتنة من قتلة عثمان خافوا على أنفسهم فأثاروا القتال ليلًا، فظن كل فريق أن الفريق الآخر غدر به. وهذه الرواية مأخوذة من تاريخ الطبري عن سيف بن عمر، وقد ضعّف أهل الحديث سيفًا في الرواية، فلا نجزم بتفاصيل هذه الرواية، وإن كان المشهور عند أهل السنة أن الصحابة لم يريدوا القتال.

الزبير وطلحة

ويُذكر في كتب التاريخ أن علي بن أبي طالب خاطب الزبير بن العوام فقال: أتذكر يوم قال لك رسول الله ﷺ: إنك تقاتله وأنت له ظالم؟ فتذكر الزبير وانصرف عن القتال. وهذه الرواية رواها الحاكم والبيهقي وفي إسنادها مقال، ولذلك لا يجزم بها. والثابت أن الزبير ترك الميدان قبل أن يبدأ القتال أو في أثنائه، فلقيه عمرو بن جرموز بوادي السباع فقتله غدرًا وهو يصلي أو غافل. وذُكر أن عليًّا رضي الله عنه لما جاءه ابن جرموز بسيف الزبير بكى وقال: سيف طالما فرّج به الكرب عن وجه رسول الله ﷺ. وفي مسند أحمد أن عليًّا قال: «بشّر قاتل ابن صفية بالنار». وفي أسانيد هذه الأخبار كلام، لكن معناها متقارب.

وأما طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه فأصابه سهم في المعركة، يُقال إن مروان بن الحكم هو من رماه، وهي رواية في الطبقات لابن سعد والطبري، ولا نجزم بها. ومات من أثر السهم. ورُوي أن عليًّا لما رآه صريعًا مسح التراب عن وجهه وترحّم عليه وقال: «ليتني متُّ قبل هذا بعشرين سنة».

الجمل

وفي الأخير كان القتال عند جمل عائشة التي كانت في هودجها وحولها المقاتلون. فلما عُقر الجمل انتهى القتال. قال الطبري وابن كثير: فجاء علي فأمر بالهودج فحُمل من بين القتلى ووضع في بيت آمن، ثم جهّزها إلى المدينة معززة مكرمة مع أخيها محمد بن أبي بكر، وسار معها أميال تشييعًا. ولم يأخذ الأموال ولا سبى أحدًا. وفي مصنف ابن أبي شيبة عن علي لما سُئل عن أهل الجمل: أمشركون هم؟ قال: من الشرك فرّوا. قيل: فمنافقون؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلًا. قيل: فما هم؟ قال: إخواننا بغوا علينا. وفي هذا بيان لموقف الإمام علي من خصومه.

موقف أهل السنة

وفي البخاري عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: لقد نفعني الله بكلمة سمعتها من رسول الله ﷺ أيام الجمل بعد ما كدتُ أن ألحق بأصحاب الجمل فأقاتل معهم. قال: لما بلغ رسول الله ﷺ أن أهل فارس قد ملّكوا عليهم بنت كسرى قال: «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة». وقد فهم العلماء أن الحديث في الولاية العامة، وأن عائشة لم تخرج طالبة للإمارة، فلا يُنزَّل الحديث عليها، وإنما استفاد أبو بكرة منه الاعتزال عن الفتنة.

وروى البخاري كذلك حديث الحسن البصري عن أبي بكرة أن النبي ﷺ قال على المنبر عن الحسن بن علي: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين». وهذا يدل على أن الفتنة لم تكن كفرًا ولا خروجًا من الإسلام.

ورُوي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت إذا قرأت ﴿وقرن في بيوتكن﴾ بكت حتى تبلّ خمارها، ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء من رواية ابن سعد. وهو يدل على أنها ندمت على خروجها اجتهادًا، وأن أكثر ما يُنقل من ندمها كان ندم المجتهد. ومذهب أهل السنة أن الجميع مجتهدون، المصيب منهم له أجران والمخطئ له أجر، وأن يُكفّ عما شجر بينهم، وأن عليًّا كان أقرب إلى الحق.

العبرة

العبرة: أن الصحابة رضي الله عنهم لم يطلبوا القتال وإنما اجتهدوا فأخطأ بعضهم وأصاب بعضهم، وأن الفتنة تصنعها أيدي المفسدين. فعلى المسلم أن يكف لسانه عنهم ويتأدب بأدب عمار وعلي في الحديث عن أم المؤمنين.

المصدر: صحيح البخاري: كتاب الفتن (حديث أبي بكرة)، كتاب فضائل الصحابة (حديث عمار)، كتاب الصلح (حديث الحسن)؛ مسند أحمد (حديث الحوأب)؛ مصنف ابن أبي شيبة؛ تاريخ الطبري؛ فتح الباري؛ سير أعلام النبلاء للذهبي.

الدرجة: الأحاديث الواردة في الصحيح صحيحة؛ وخبر الحوأب في المسند وإسناده قوي عند جماعة؛ وبعض تفاصيل المعركة (الصلح الليلي، تذكير الزبير، رمية مروان) من التاريخ وفيها كلام وقد نُبّه عليها.