من الجمل إلى الشام
بعد وقعة الجمل انتقل علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى الكوفة وجعلها مقرّ الخلافة. وكان معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه والي الشام منذ عهد عمر، فامتنع عن البيعة حتى يُقتصّ من قتلة عثمان، وكان ابن عم عثمان وطالب دمه. وتراسل الطرفان دون اتفاق، ثم سار علي بجيشه إلى الشام، وسار معاوية، والتقى الجمعان عند صفين على الفرات في أواخر سنة ست وثلاثين، واشتد القتال في صفر سنة سبع وثلاثين.
وأهم ما يجب تقريره أن القتال كان بين فريقين من المسلمين، كل يرى الحق معه، وأن الصحابة الكبار اعتزلوها، ومنهم عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة. وقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان يكون بينهما مقتلة عظيمة، دعواهما واحدة». ففي هذا الحديث وصف الفئتين بأن دعواهما واحدة، أي إنهما مسلمتان.
عمار والفئة الباغية
وفي صفين استشهد عمار بن ياسر رضي الله عنه. وقد ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: كنا ننقل لبن المسجد لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين، فرآه النبي ﷺ فجعل ينفض التراب عنه ويقول: «ويح عمار، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار». وفي صحيح مسلم من حديث أم سلمة: «تقتل عمارًا الفئة الباغية». وهذا الحديث من أعلام النبوة ومن الأدلة على أن عليًّا كان أقرب إلى الحق.
وفي مسند الإمام أحمد أن عبد الله بن عمرو بن العاص وأباه ذكرا لمعاوية بعد مقتل عمار حديث «تقتله الفئة الباغية»، فقال معاوية: أنحن قتلناه؟ إنما قتله الذين جاؤوا به. وهو تأويل من معاوية، رده العلماء، وقالوا إن هذا يدلّ على اجتهاد معاوية، وأن الحق كان مع علي. ولا يسوّغ هذا لأحد أن يتناول معاوية بالسبّ، فإن الصحابة مجتهدون وإن أخطأ بعضهم.
وذُكر في كتب التاريخ أن عمارًا قال يوم قُتل: ائتوني بشربة لبن، لأن رسول الله ﷺ أخبرني أن آخر شربة أشربها من الدنيا لبن. وهذه الرواية في بعض كتب الحديث بسند فيه مقال، فلا تُجزم.
المصاحف على الرماح
استمر القتال أيامًا، وذكر المؤرخون أن الغلبة مالت إلى جيش علي، فرفع أهل الشام المصاحف على الرماح داعين إلى التحكيم بكتاب الله. فمال أكثر جيش علي إلى قبوله، وألحّوا عليه، وأنكر بعضهم كالأشتر النخعي. فرضي علي بالتحكيم وفي نفسه تردد. وهذا الخبر مشهور في كتب التاريخ، وفي تفاصيله اختلاف بين الروايات، ولا خلاف في أصله.
وظهر هنا شعار الخوارج، فقد خرج قوم من جيش علي يرفضون التحكيم وقالوا: لا حكم إلا لله. فقال علي رضي الله عنه كما في صحيح مسلم: «كلمة حقٍّ أريد بها باطل». وهذه الجملة صارت من الأقوال المأثورة في تقييم مبدأ الخوارج. وسنفصل خبرهم في قصة مناظرة ابن عباس لهم.
الحَكَمان
اتُّفق على أن يحكم أبو موسى الأشعري عن علي، وعمرو بن العاص عن معاوية، وأن يلتقيا في دومة الجندل أو أذرح بعد أشهر. ويُروى في كتب التاريخ أن أبا موسى خلع عليًّا ومعاوية معًا، فلما جاء دور عمرو أثبت معاوية وخدع أبا موسى. وهذه الرواية من طريق أبي مخنف لوط بن يحيى، وهو شيعي متروك عند أهل الحديث، وقد ردّها المحققون كابن العربي في العواصم من القواصم وابن كثير وابن تيمية، لأنها تنسب الغدر إلى صحابيين جليلين. والثابت أن التحكيم لم يُسفر عن اتفاق حاسم، وافترق الحكمان، وبقي علي على خلافته وبقي معاوية على الشام.
ما صحّ من ثناء بعضهم على بعض
ومما يروى في الباب: أن النبي ﷺ قال في الخوارج كما في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد: «تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين، يقتلها أولى الطائفتين بالحق». وفهم العلماء أن الطائفتين هما طائفة علي وطائفة معاوية، وأن أولاهما بالحق طائفة علي. ولكن مع ذلك لم يخرج معاوية ولا من معه من الإسلام، فقد روى ابن أبي شيبة وغيره أن عليًّا رضي الله عنه سُئل عن أهل صفين فقال: إخواننا بغوا علينا. وقد رُوي عن علي أنه قال: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير ممن قال الله فيهم ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانًا على سرر متقابلين﴾. ذكره بعض المفسرين بإسنادٍ فيه ضعف، لكن معناه يتفق مع مذهب أهل السنة.
نتيجة الحدث
واستمرت الفرقة بعد صفين: كان علي يملك العراق ومصر وما حولهما أحيانًا، وكان معاوية يملك الشام. وكانت بداية انتقال الأمر إلى معاوية أن علي بن أبي طالب قُتل سنة أربعين، وتنازل الحسن بن علي لمعاوية سنة إحدى وأربعين، فسُمّي عام الجماعة. وكان ذلك تحقيقًا لقول النبي ﷺ عن الحسن: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين».
أما أعداد القتلى التي تذكرها بعض الكتب، كسبعين ألفًا، فهي أرقام لا تثبت بإسناد، ولا ينبغي الجزم بها، فيكفينا أنها كانت فاجعة كبرى. ورُوي عن علي رضي الله عنه أنه تألم لهذه الدماء حتى قال لابنه الحسن: «يا بني، ليتني متُّ قبل هذا بعشرين سنة»، ولم يثبت هذا بإسناد صحيح.
