حين خرجوا
لما قبل علي رضي الله عنه التحكيم في صفين، اعترض جماعة من جيشه وقالوا: لا حكم إلا لله، وفارقوه وعسكروا في موضع يقال له حروراء قرب الكوفة، ولذلك سُمّوا الحرورية. وروى الإمام أحمد والنسائي في السنن الكبرى والحاكم في المستدرك، وصحح إسناده بعض المحققين، من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ما جرى بينه وبينهم.
قال ابن عباس: لما خرجت الحرورية اعتزلوا في دار، وكانوا ستة آلاف، وأجمعوا أن يخرجوا على علي. فكنتُ أقول لعلي: يا أمير المؤمنين، أبرِدْ بالصلاة لعلي أكلّم هؤلاء القوم. قال: إني أخافهم عليك. قلتُ: كلا. فلبستُ أحسن ما يكون من الحُلل اليمانية، وترجّلتُ ودخلتُ عليهم في دار نصف النهار، وهم يأكلون. فقالوا: مرحبًا بك يا ابن عباس، فما جاء بك؟ قلتُ: أتيتكم من عند صحابة النبي ﷺ والمهاجرين والأنصار، ومن عند ابن عم النبي ﷺ وصهره، وعليهم نزل القرآن، فهم أعلم بتأويله منكم، وليس فيكم منهم أحد.
الحُلّة
فقال بعضهم: لا تكلّموه. وقال بعضهم: لنكلمنّه. فقلتُ: أخبروني ماذا نقمتم على ابن عم رسول الله ﷺ وصهره والمهاجرين والأنصار؟ وفي رواية أنهم قالوا له أولًا: ما هذه الحلة التي عليك؟ فقال: ما تعيبون عليّ؟ لقد رأيتُ على رسول الله ﷺ أحسن ما يكون من الحلل. ثم تلا قوله تعالى: ﴿قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾. فبدأ حواره بالآية وبسنة النبي ﷺ.
الشبهة الأولى: التحكيم
قالوا: ثلاث. قلتُ: ما هنّ؟ قالوا: أما إحداهن فإنه حكّم الرجال في أمر الله، وقال الله: ﴿إن الحكم إلا لله﴾. فقلتُ: هذه واحدة. وماذا؟ قالوا: وأما الثانية فإنه قاتل ولم يسبِ ولم يغنم، فإن كانوا كفارًا لقد حلّ سبيُهم، وإن كانوا مؤمنين فقد حرم قتالهم. قلتُ: هذه ثنتان، فما الثالثة؟ قالوا: إنه محا نفسه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين.
فقلتُ: أرأيتم إن قرأتُ عليكم من كتاب الله المحكم، وحدثتكم من سنة نبيه ﷺ ما لا تنكرون، أترجعون؟ قالوا: نعم.
فأما قولكم حكّم الرجال في أمر الله، فإني أقرأ عليكم في كتاب الله أن الله قد صيّر حكمه إلى الرجال في ثمن ربع درهم، فأمر الله تبارك وتعالى أن يحكموا فيه. أرأيت قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حُرم ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم﴾، وكان من حكم الله أنه صيّره إلى الرجال يحكمون فيه، ولو شاء لحكم فيه. وفي المرأة وزوجها: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها﴾. فنشدتكم بالله، أحكمُ الرجال في إصلاح ذات بينهم وحقن دمائهم أفضل أم في أرنب ثمنها ربع درهم؟ قالوا: بلى، هذا أفضل. قال: أخرجتُ من هذه؟ قالوا: نعم.
الشبهة الثانية: السبي والغنيمة
وأما قولكم قاتل ولم يسبِ ولم يغنم، فأتسبون أمكم عائشة؟ فإن قلتم نسبيها فنستحل منها ما نستحل من غيرها فقد كفرتم، وإن قلتم ليست بأمنا فقد كفرتم، لأن الله تعالى يقول: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾، فأنتم بين ضلالتين، فأتوا منها بمخرج. أفخرجتُ من هذه؟ قالوا: نعم.
وهنا بيّن ابن عباس أن قتال المسلمين الباغين لا يُسبى فيه نساؤهم ولا تُؤخذ أموالهم، وأن حكم قتال أهل القبلة غير حكم قتال الكفار، وأن من استباح ذلك لزمه أن يستبيح عرض أم المؤمنين عائشة، وهي كانت في الجانب المقابل لعلي يوم الجمل.
الشبهة الثالثة: أمير المؤمنين
وأما محوه نفسه من أمير المؤمنين، فأنا آتيكم بما ترضون، إن نبي الله ﷺ يوم الحديبية صالح المشركين، فقال لعلي: «اكتب يا علي: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله». فقال المشركون: لا والله ما نعلم أنك رسول الله، لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك. فقال رسول الله ﷺ: «اللهم إنك تعلم أني رسولك، امحُ يا علي، واكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله». فرسول الله ﷺ كان خيرًا من علي، وقد محا نفسه ولم يكن محوه ذلك محوًا من النبوة. أخرجتُ من هذه؟ قالوا: نعم.
النتيجة
قال ابن عباس: فرجع منهم ألفان، وخرج سائرهم فقاتلوا على ضلالتهم، فقتلهم المهاجرون والأنصار. هذه خلاصة الرواية، وقد رواها أحمد في المسند ورواها غيره، وقد صحّح الحاكم إسنادها ووافقه الذهبي، وتكلّم بعضهم في عكرمة بن عمار في بعض رواياته، والخبر مشهور عند أهل العلم.
فقه المناظرة
يتبين من هذه الرواية منهج في الحوار مع المخالف: البدء بالتودد، وطلب الاحتجاج بما يقبله الخصم من الكتاب والسنة، وتقسيم الشبهات وردّ كل واحدة بدليلها، والتأكد من اقتناع المخالف بعد كل جواب بقوله: أخرجتُ من هذه؟ وقد وضع ابن عباس عناية خاصة في أن يلبس أحسن ثيابه ليجتمع للحوار هيبة العلم، ولأنه يرى أن زينة الله لا ينكرها إلا جاهل.
وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري وصف النبي ﷺ لهم: «يخرج في هذه الأمة، ولم يقل منها، قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حلوقهم أو حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية». فجمعوا بين الاجتهاد في العبادة وقلة الفقه، فاستحلوا دماء المسلمين وتركوا أهل الأوثان.
ويقول ابن تيمية في الفتاوى: إن الخوارج أول من كفّر المسلمين بالذنوب، وهم الذين أنكر عليهم الصحابة كلهم، ولذلك أجمعوا على قتالهم. والخلاصة أن قتالهم لم يكن لأنهم خالفوا في اجتهاد، بل لأنهم رفعوا السلاح على جماعة المسلمين.
