Islamic MixIslamic Mix
‹ محن وأحداث كبرى
محن وأحداث كبرىمشهورمدة القراءة نحو ٥ دقائق

النهروان: ذو الخويصرة وذو الثدية وما أخبر به النبي ﷺ

علي بن أبي طالب وأبو سعيد الخدري رضي الله عنهما

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

بذرة الخوارج في عهد النبي ﷺ

بدأت قصة الخوارج في حياة النبي ﷺ قبل أن تظهر طائفتهم. روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ وهو يقسم قسمًا، أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله اعدل. فقال: «ويلك، ومن يعدل إن لم أعدل؟ قد خبتَ وخسرتَ إن لم أكن أعدل». فقال عمر: ائذن لي فيه فأضرب عنقه. فقال: «دعه، فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية».

ثم وصف ﷺ علامة فيهم فقال: «آيتهم رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر، ويخرجون على حين فرقة من الناس». قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعتُ هذا الحديث من رسول الله ﷺ، وأشهد أن عليّ بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر بذلك الرجل فالتُمس فوُجد، فأُتي به حتى نظرتُ إليه على نعت النبي ﷺ الذي نعته.

طائفة تفارق عليًّا

وبعد صفين والتحكيم فارق عليًّا طائفة من جيشه سمّاهم المؤرخون الحرورية والخوارج، ثم اعتزلوا في حروراء. وقد ذكرنا مناظرة ابن عباس لهم، فرجع ألفان وبقي الباقون. فكتب إليهم علي، ودخل عليهم بنفسه، وخطبهم، وقال لهم فيما ذكره المؤرخون: لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا. وهذه الرواية مشهورة في كتب التاريخ وفيها كلام في أسانيدها.

ثم توجّهوا إلى النهروان، وهي ناحية بين بغداد وواسط. ونزلوا هناك، وصاروا يعترضون الناس ويمتحنونهم في عقائدهم.

عبد الله بن خباب

ومن أشهر ما نُقل عنهم أنهم لقوا عبد الله بن خباب بن الأرت، وهو ابن الصحابي الجليل خباب، ومعه امرأته وهي حامل، فسألوه عن أبيه وعن علي وعثمان، فأثنى بخير، فقتلوه وبقروا بطن امرأته. وقد ذكرها الطبري وابن كثير وغيرهما. وفي هذه القصة أنهم أخذوا ثمرة سقطت من نخلة فوضعها أحدهم في فمه، فقال بعضهم: تأخذ تمرة معاهَد بغير ثمن؟ فألقاها. فلما قابلوا خنزيرًا لمعاهد قتلوه، ثم قالوا لصاحبه: لعلنا أفسدنا عليك. فهؤلاء الذين يتورعون عن تمرة ويستحلون دماء المسلمين. وهذه القصة مشهورة في كتب التاريخ ولم يثبت لها إسناد صحيح مفصل، فتُذكر على أنها مروية عند المؤرخين.

الإنذار والقتال

فلما بلغ عليًّا ما فعلوه أرسل إليهم أن سلّموا لنا قتلة عبد الله بن خباب، فقالوا: كلنا قتله. فاستحل قتالهم. وذكر المؤرخون أنه أخذ يعظهم ويدعوهم قبل القتال، وجعل راية أمان لمن لجأ إليها، فانصرف بعضهم، وبقي قوم قاتلوا حتى قُتلوا، ولم ينجُ منهم إلا قلة. وهذا في شهر صفر سنة ثمان وثلاثين على المشهور. وذكروا أن قتلى جيش علي كانوا قلة بالنسبة إلى قتلى الخوارج.

وجاءت المعركة لتصدّق حديث النبي ﷺ.

البحث عن ذي الثدية

وروى مسلم في صحيحه عن عبيد الله بن أبي رافع، مولى رسول الله ﷺ، أن الحرورية لما خرجت وهو مع علي بن أبي طالب قالوا: لا حكم إلا لله. قال علي: كلمة حقٍّ أُريد بها باطل. إن رسول الله ﷺ وصف ناسًا إني لأعرف صفتهم في هؤلاء: يقولون الحق بألسنتهم لا يجاوز هذا منهم، وأشار إلى حلقه، من أبغض خلق الله إليه، منهم أسود إحدى يديه طُبْيُ شاة أو حَلَمة ثدي. فلما قتلهم علي بن أبي طالب قال: انظروا. فنظروا فلم يجدوا شيئًا. قال: ارجعوا فوالله ما كذبتُ ولا كُذبت، مرتين أو ثلاثًا، ثم وجدوه في خربة، فأتوا به حتى وضعوه بين يديه. قال عبيد الله: وأنا حاضر ذلك من أمرهم وقول علي فيهم.

وفي رواية لمسلم عن علي رضي الله عنه نفسه أنه قال: «لولا أن تنكلوا لحدثتكم بما قضى الله على لسان نبيه ﷺ لمن قاتلهم مستبصرًا في قتالهم، عارفًا بالذي لهم عليهم». وفي هذا إشارة إلى الأجر العظيم الذي بشّر به النبي ﷺ من قاتلهم. وروى أبو داود أن عليًّا سجد لما وجد ذا الثدية، وفي إسناده كلام.

هل هم كفار؟

وقد اختلف العلماء في الحكم على الخوارج. فقال النبي ﷺ في الصحيحين: «يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية»، وفي رواية: «لئن أدركتهم لأقتلنّهم قتل عاد». وقال في حديث أبي أمامة عند الترمذي وابن ماجه: «شرّ قتلى تحت أديم السماء، وخير قتيل من قتلوه». وذهب جمهور العلماء إلى أنهم ليسوا كفارًا بل بغاة مبتدعة ضالون، لما ثبت عن علي رضي الله عنه من أنه لم يعاملهم معاملة المرتدين، فلم يسبِ نساءهم ولم يغنم أموالهم ولم يتبع مدبرهم، وقد رُوي عنه أنه سئل عنهم: أمشركون هم؟ قال: من الشرك فرّوا. قيل: فمنافقون؟ قال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلًا. قيل: فما هم؟ قال: قوم بغوا علينا فقاتلناهم. وقال ابن حجر: وقد اختلف في تكفيرهم، والجمهور على عدمه.

ويقول ابن تيمية: الخوارج هم أول من كفّر المسلمين بالذنوب، وهم يكفّرون من خالفهم في بدعتهم. وفي ذلك تحذير لكل من ضاق صدره بالمخالف أن يتخذ مسألة اجتهادية سبيلًا للتكفير والتقتيل. قال النبي ﷺ: «يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان».

آثارها

لم تنته الفتنة بالنهروان، فقد بقيت بقاياها تنمو، وقد دبّر بعضهم اغتيال علي كما سنحكي في القصة التالية. وظهر الخوارج في عهد بني أمية في صور شتى، ولقيهم المهلب بن أبي صفرة في حروب طويلة. وهكذا تحققت أخبار النبي ﷺ بأنهم لا ينقطعون: «كلما خرج منهم قرن قُطع»، وهو في سنن ابن ماجه من حديث ابن عمر وفي إسناده ضعف.

ويلفت النظر في هذه الواقعة أن النبي ﷺ ربط بين عبادتهم الظاهرة وفساد فهمهم؛ فهم يتلون القرآن وهو لا يجاوز تراقيهم، أي لا ينفذ إلى قلوبهم ولا إلى فقههم، ولذلك قال ابن عمر فيهم: إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين، علّقه البخاري. وهذا درس في أن فهم النصوص يحتاج إلى علم ومنهج لا إلى مجرد الحماسة.

العبرة

العبرة: أن العبادة بلا فقه قد تقود صاحبها إلى سفك الدماء، وأن علامات النبوة تحققت بحذافيرها في النهروان، وأن الواجب على المسلم أن يتثبت ويفهم القرآن بفهم الصحابة.

المصدر: صحيح البخاري: كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم (باب قتل الخوارج)، كتاب المناقب؛ صحيح مسلم: كتاب الزكاة (باب ذكر الخوارج وصفاتهم)؛ سنن أبي داود؛ جامع الترمذي؛ سنن ابن ماجه؛ تاريخ الطبري؛ البداية والنهاية؛ فتح الباري.

الدرجة: الأحاديث الأساسية في الصحيحين صحيحة؛ وقصة ابن خباب وتفصيل الحرب من التاريخ ولم تُثبت بسند مفصل؛ وسجود علي في أبي داود فيه كلام؛ وحديث «كلما خرج منهم قرن قُطع» ضعيف الإسناد.