Islamic MixIslamic Mix
‹ محن وأحداث كبرى
محن وأحداث كبرىمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

مقتل علي بن أبي طالب: ابن ملجم في فجر رمضان

علي بن أبي طالب رضي الله عنه

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

إخبار النبي ﷺ

روى الإمام أحمد والنسائي في الكبرى والحاكم عن عمار بن ياسر رضي الله عنه، وعن صهيب وغيرهما، أن النبي ﷺ قال لعلي: «أشقى الناس رجلان: أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذا، يعني قرنه، حتى يبلَّ منه هذه، يعني لحيته». وقد حسّن الحديث جماعة من المحققين وصححه بمجموع طرقه. وروى الحاكم والطبراني عن علي رضي الله عنه نفسه أنه قال: إنه لعهد النبي الأمي ﷺ إلى أنك لا تموت حتى تخضب هذه من هذه. وكان كثيرًا ما يقول: ما ينتظر أشقاها فيخضب هذه من هذه.

وهو القائل كما في صحيح مسلم: «والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي الأمي ﷺ إلي: أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق».

اجتماع الثلاثة في مكة

يذكر المؤرخون، ومنهم الطبري وابن كثير، أن ثلاثة من الخوارج اجتمعوا في مكة بعد النهروان: عبد الرحمن بن ملجم المرادي، والبرك بن عبد الله التميمي، وعمرو بن بكر التميمي. فتذاكروا أصحابهم الذين قتلوا بالنهروان وترحموا عليهم، وقالوا: لو شرينا أنفسنا لله فأتينا أئمة الضلال فقتلناهم وأرحنا منهم البلاد. فاتفقوا على أن يقتل ابن ملجم علي بن أبي طالب، وأن يقتل البرك معاوية، وأن يقتل عمرو بن بكر عمرو بن العاص، وتواعدوا على ليلة سبع عشرة من رمضان سنة أربعين.

أما البرك فضرب معاوية في أليته فنجا من القتل. وأما عمرو بن بكر فقد اعتلّ عمرو بن العاص تلك الليلة، فاستخلف خارجة بن أبي حبيبة صاحب شرطته للصلاة بالناس، فقتله الخارجي ظانًّا أنه عمرو، فلما عرف قال: أردت عمرًا وأراد الله خارجة. وهذه الأخبار مروية في كتب التاريخ دون أن تبلغ درجة الصحة، وتُذكر على أنها مشهورة.

القصة المشهورة عن قطام

ويذكر بعض المؤرخين أن ابن ملجم تعلق بامرأة يقال لها قطام بنت الأخضر، وأنها اشترطت عليه مهرًا هو قتل علي، وهي رواية رائجة في الأدب والمرويات. والصحيح أنها خبر لا إسناد له معتبرًا، وقد أنكرها بعض المحققين، فلا تُعتمد في تفسير الحدث. وقد شدّ الخوارج في ذلك الوقت قناعتهم الباطلة بأن قتل الحاكم من أعظم القربات.

فجر السابع عشر

وفي ليلة الجمعة السابع عشر من رمضان، خرج علي رضي الله عنه إلى صلاة الفجر، وجعل يوقظ الناس: الصلاة الصلاة. فضربه ابن ملجم بالسيف على رأسه. ونقل المؤرخون أن عليًّا قال: فزتُ ورب الكعبة. ثم قال: لا يفوتنكم الرجل. فأُخذ ابن ملجم. وصلى الناس بجعدة بن هبيرة أو بالحسن.

وعندما حُمل إلى داره دخل عليه الحسن فقال: يا أبتاه. فقال له علي: احبسوا الرجل، وأطعموه واسقوه، فإن عشتُ فأنا ولي دمي، عفو أو قصاص، وإن متُّ فاضربوه ضربة بضربة ولا تمثّلوا بالرجل، فإني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إياكم والمُثلة ولو بالكلب العقور». وقال: يا بني عبد المطلب، لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين خوضًا تقولون قتل أمير المؤمنين، ألا لا تقتلنّ بي إلا قاتلي. هذه الوصية رواها الطبري وابن سعد وغيرهما، وفي بعضها كلام، لكنها متفقة مع أخلاق علي المعروفة ومع نهي النبي ﷺ عن المثلة، وهو في صحيح مسلم من حديث بريدة.

وفاته

وكان في ضربة ابن ملجم سمّ، واشتد به الأمر، وبقي أيامًا ثم توفي رضي الله عنه. واختلف في تاريخ وفاته، فالمشهور أنه توفي ليلة الحادي والعشرين من رمضان سنة أربعين. وغسّله ابنه الحسن وابناه الآخران وعبد الله بن جعفر، وصلى عليه الحسن. ودفن في الكوفة، واختلفوا في موضع قبره اختلافًا كثيرًا؛ فقيل في دار الإمارة، وقيل في الرحبة، وقيل غير ذلك، ولا يثبت تعيين موضع بعينه. وأما ما يُنسب إلى النجف فمحل خلاف وأقوال لا يصح فيها دليل قاطع.

وبعد دفنه نفّذ الحسن القصاص في ابن ملجم، ويُذكر في بعض الروايات أنه مُثّل به أو أُحرق، وهي روايات منكرة تخالف وصية علي، والثابت أنه قُتل قصاصًا.

ولا تثبت الروايات التي تصف بكاء معاوية على علي أو كلامه فيه إلا بأسانيد ضعيفة. ويروى أنه قال: «ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب»، رواها ابن عبد البر في الاستيعاب ولا تخلو من مقال، لكنها تدل على إنصاف معاوية.

مدة الخلافة

وروى أبو داود والترمذي وأحمد عن سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ: «الخلافة في أمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك». قال سفينة: أمسِكْ، خلافة أبي بكر سنتين، وعمر عشرًا، وعثمان اثنتي عشرة، وعلي ستًّا. والحديث صححه جماعة من المحققين. فتمّت الثلاثون بخلافة الحسن شهورًا، وهي ما سمّاه الناس عام الجماعة.

ثناء أهل العلم

كان علي رضي الله عنه أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأول من أسلم من الصبيان، وزوج فاطمة ووالد الحسنين، وفارس خيبر وصاحب راية الإسلام. قال له النبي ﷺ في تبوك كما في الصحيحين: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي». وقال يوم خيبر: «لأعطينّ الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله». ولكنه لم يُقتل إلا بيد من ظن القتل عبادة.

وهكذا قُتل عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم شهداء، وكان مقتل علي ختامًا لعهد الخلافة الراشدة، وكان أبو بكر الوحيد من الأربعة الذي مات على فراشه.

العبرة

العبرة: أن العبادة التي لا تحكمها العلم والفقه قد تقود إلى أعظم الجرائم، وأن علي بن أبي طالب في أشد لحظاته أوصى بالعدل ومنع المثلة، فهكذا يكون المؤمن عند قتله.

المصدر: مسند الإمام أحمد؛ السنن الكبرى للنسائي؛ المستدرك للحاكم؛ صحيح مسلم: كتاب الإيمان (حب علي) وكتاب الجهاد والسير (النهي عن المثلة)؛ سنن أبي داود (كتاب السنة، باب الخلفاء) وجامع الترمذي؛ تاريخ الطبري؛ الطبقات لابن سعد؛ الاستيعاب لابن عبد البر؛ البداية والنهاية.

الدرجة: الأحاديث في الإخبار بقاتله والنهي عن المثلة وحديث سفينة صحيحة أو حسنة؛ وتفاصيل الاغتيال واجتماع الثلاثة من التاريخ المشهور؛ وقصة قطام لا تثبت؛ ورواية ثناء معاوية ضعيفة.