Islamic MixIslamic Mix
‹ محن وأحداث كبرى
محن وأحداث كبرىمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

يوم عاشوراء سنة 61 هـ: مقتل الحسين بما صحّ وما لم يصح

الحسين بن علي رضي الله عنهما

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

ما الذي ثبت وما الذي لم يثبت

لا يوجد خبر مقتل الحسين رضي الله عنه في صحيح البخاري أو مسلم تفصيلًا، وإنما ورد في الصحيحين وغيرهما بعض الأحاديث المتعلقة بالحدث ونتائجه. أما تفاصيل المعركة في كربلاء فمرجعها كتب التاريخ، وعمدتها رواية أبي مخنف لوط بن يحيى وهشام بن محمد الكلبي، وهما متهمان بالتشيع ولا يُعتمد عليهما عند أهل الحديث. فنحن نقتصر على الخطوط الكبرى التي أجمع عليها المؤرخون، وننبه على ما بُولغ فيه.

الموقف في كربلاء

أجمع المؤرخون على أن الحسين نزل كربلاء في المحرم سنة إحدى وستين، وأن عبيد الله بن زياد أرسل لقتاله جيشًا بقيادة عمر بن سعد بن أبي وقاص. ويذكر الطبري أن عدد جيش ابن زياد كان آلافًا، وتتفاوت الأرقام، وأن جماعة الحسين كانوا نحو اثنين وسبعين أو أقل، من أهل بيته وأصحابه. وهذه أرقام غير ثابتة، والمتفق عليه أن العدد كان قليلًا جدًّا إزاء جيش عظيم.

وذكر المؤرخون أن عمر بن سعد جرت بينه وبين الحسين مراسلات، وأن الحسين طلب أن يتركوه ينصرف، فأبى ابن زياد إلا أن ينزل على حكمه. وهذا أكثر ما اختلفت فيه الروايات. وقد شدّد ابن زياد، فضيّق على الحسين الماء، فمنعوه من الفرات، كما رواه الطبري. ومع أن السند ضعيف فإن غير واحد من المؤرخين ذكره.

يوم العاشر

وفي يوم الجمعة، العاشر من محرم، وقعت المعركة. وذكر الطبري أن الحسين صلى بأصحابه الفجر وعبّأهم. وقُتل أصحابه واحدًا بعد واحد. وذكروا أن الحر بن يزيد التميمي الذي حاصره أولًا تحول إلى جانب الحسين ثم قُتل معه، وهي رواية مشهورة في التاريخ لا تثبت بإسناد صحيح، لكنها مقبولة في سياق الحكاية.

وقُتل من أهل بيته: عدد من إخوته من أبيه، وهم العباس وجعفر وعثمان وعبد الله أبناء علي، وابنه علي الأكبر، وجماعة من بني عقيل، وأبناء عبد الله بن جعفر، والقاسم بن الحسن بن علي، على ما ذكره الطبري وابن كثير. ونجا علي بن الحسين زين العابدين لمرضه، وكانت النساء والصبيان في المعسكر.

أما قاتل الحسين على التحديد فقد اختلفت فيه الروايات، فقيل سنان بن أنس النخعي، وقيل شمر بن ذي الجوشن، وقيل غير ذلك. ويكفي أن نقول إنه قتله جند ابن زياد.

ما بولغ فيه

وقد شاعت في الكتب والمواعظ تفاصيل لا أصل لها أو لا سند لها، مثل كثير من خطب الحسين الطويلة في ساعات القتال، ووصف مشاهد الأطفال والعطش على وجه مبالغ فيه، وأشعار تُنسب إليه، وأعداد القتلى والجراح التي تذكر بتفصيل يفوق الإسناد. ومن الأخبار الواهية ما يُروى عن انقلاب السماء دمًا وانكسار الحجارة التي ما رُفعت إلا وُجد تحتها دم، فقد قال بعض الأئمة إن هذا كله لا يصح. ومنها روايات في احمرار الأفق وكسوف الشمس يوم قتله، وهي مما نبّه العلماء على ضعفه.

وقد نبّه ابن كثير في البداية والنهاية على أن ما رواه ابن جرير عن أبي مخنف وغيره في كثير منه نظر، ونبّه ابن تيمية وغيره على أن كثيرًا مما يُروى من الآيات الكونية يوم مقتله، كإظلام الدنيا واحمرار الأفق وسقوط الدم من السماء، لا يصح.

حديث الدم في المنام

وروى الإمام أحمد والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: رأيتُ النبي ﷺ فيما يرى النائم بنصف النهار، أشعث أغبر، بيده قارورة فيها دم يلتقطه، فقلتُ: بأبي وأمي يا رسول الله، ما هذا؟ قال: «هذا دم الحسين وأصحابه، لم أزل ألتقطه منذ اليوم». قال عمار: فحفظنا ذلك اليوم فوجدناه قُتل في ذلك اليوم. وقد اختلف أهل العلم في هذا الإسناد، فصححه بعضهم وضعّفه آخرون، فهو مما يذكر بحذر.

موقف أهل السنة

يقول أهل السنة إن الحسين قُتل شهيدًا مظلومًا، وإن قاتليه وأعوانهم آثمون، وأن مقتله من أعظم الفواجع. قال ابن تيمية: إن الله أكرم الحسين بالشهادة، وأهان بها من قتله. وفي الوقت نفسه ينكرون ما أُحدث في ذكرى عاشوراء من بدع، كالنياحة وضرب الصدور واللطم وشق الجيوب والتطبير وسبّ الصحابة، لقول النبي ﷺ في الصحيحين: «ليس منا من ضرب الخدود وشقّ الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية». وينكرون كذلك ما أحدثه بعض الجهال من اتخاذ يوم عاشوراء يوم فرح وزينة، فقد قال ابن كثير في البداية والنهاية إن كلا الطرفين مبتدع.

والثابت المشروع في عاشوراء صيامه، كما في الصحيحين من حديث ابن عباس: صام النبي ﷺ عاشوراء وأمر بصيامه، وقال في مسلم: «صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله». وهو قبل مقتل الحسين بعشرات السنين.

بين الحقيقة والعاطفة

وقد كان لمقتل الحسين أثر عميق في التاريخ الإسلامي، فأدى إلى نشوء حركات التوابين والمختار، وإلى تعميق الخلاف السياسي والعقدي. وهذا من أعظم الدروس: أن الدم الحرام يوقع الأمة في فتن متعاقبة، وأن نصرة أهل البيت لا تكون ببدعة ولا بسبّ أحد، وإنما بتعظيم حقوقهم وبتقوى الله، كما كان الصحابة، وفي مقدمتهم أبو بكر الذي قال: والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي.

العبرة

العبرة: أن الشهادة كرامة لمن اصطفاه الله، وأن الظلم عاقبته وخيمة، وأن محبة آل البيت تكون بالاتباع لا بالبدعة، وأن الأخبار المنقولة يجب أن تُنقّى قبل أن تُبنى عليها المواعظ.

المصدر: تاريخ الطبري؛ البداية والنهاية لابن كثير؛ مسند أحمد؛ المستدرك للحاكم؛ صحيح البخاري: كتاب الجنائز (باب ليس منا من ضرب الخدود)، كتاب الصوم؛ صحيح مسلم: كتاب الصيام؛ منهاج السنة والفتاوى لابن تيمية.

الدرجة: أصل مقتله ويوم عاشوراء سنة 61 مجمع عليه؛ وتفاصيل المعركة من التاريخ وعمدتها أبو مخنف وهشام الكلبي وهما ضعيفان؛ وحديث رؤيا ابن عباس مختلف في إسناده؛ وما ذُكر من الآيات الكونية كذب أو لا يصح كما نص العلماء.