Islamic MixIslamic Mix
‹ محن وأحداث كبرى
محن وأحداث كبرىمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

بعد كربلاء: الرأس بين يدي ابن زياد وقول ابن عمر وما جرى للنساء

أنس بن مالك وزيد بن أرقم وابن عمر رضي الله عنهم

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

الرأس في الكوفة

حُمل رأس الحسين رضي الله عنه إلى عبيد الله بن زياد في الكوفة. وهنا ورد في الصحيح خبر عن شاهد عيان. روى البخاري في كتاب المناقب عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أُتي عبيد الله بن زياد برأس الحسين بن علي، فجُعل في طست، فجعل ينكت وقال في حسنه شيئًا. فقال أنس: كان أشبههم برسول الله ﷺ، وكان مخضوبًا بالوسمة.

وزاد الترمذي في روايته عن أنس أن ابن زياد جعل ينكت بقضيب في أنفه، فقال أنس: إنه كان أشبههم برسول الله ﷺ، قال الترمذي: حسن صحيح. وفي رواية أخرى أن زيد بن أرقم رضي الله عنه كان حاضرًا فقال: ارفع قضيبك عن هاتين الشفتين، فوالله الذي لا إله غيره لقد رأيتُ شفتي رسول الله ﷺ على هاتين الشفتين يقبّلهما. ثم بكى. فقال ابن زياد: أبكى الله عينيك، فوالله لولا أنك شيخ قد خرفتَ وذهب عقلك لضربتُ عنقك. فخرج زيد وهو يقول: أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة وأمّرتم ابن مرجانة. وهذه الرواية مشهورة، رواها الطبراني والطبري وغيرهما، وبعض أسانيدها فيه ضعف، والأصح منها ما رواه البخاري عن أنس.

قول ابن عمر

وفي صحيح البخاري عن ابن أبي نعم قال: كنتُ شاهدًا لابن عمر وسأله رجل عن دم البعوض، أي في الإحرام، فقال: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق. قال: انظروا إلى هذا يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن النبي ﷺ، وسمعتُ النبي ﷺ يقول: «هما ريحانتاي من الدنيا». وفي هذا إنكار شديد من ابن عمر على أهل العراق الذين سكتوا عن الدم الحرام وانشغلوا بالدقائق. وهو من أصح ما ورد في موقف الصحابة من هذه الفاجعة. وهو دليل على أن ابن عمر مع نصيحته للحسين بعدم الخروج كان من أشد المنكرين لقتله.

النساء والصبيان

وبقي في المعسكر النساء والصبيان وعلي بن الحسين زين العابدين، وكان مريضًا. وقد ذكر الطبري وغيره أنهم أُرسلوا إلى ابن زياد في الكوفة، ثم أُرسلوا إلى يزيد في الشام. وأنه أكرمهم وأنزلهم في داره، ثم جهّزهم إلى المدينة وبعث معهم من يوصلهم. وأن علي بن الحسين بقي بعد ذلك عالمًا عابدًا في المدينة، روى عنه الزهري وغيره، وكان من أئمة التابعين، ولم يُعرف عنه خروج على أحد.

وأما موقف يزيد، فقد ذكر الطبري وابن الأثير أنه قال: لقد كنتُ أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، لعن الله ابن مرجانة. وأنه بكى ودمعت عيناه. وذُكر في روايات أخرى أنه شمت ونكت بقضيب. فاختلفت الروايات، وجاء الاضطراب من أن أكثر هذه الأخبار تحكيها كتب فيها ضعف وتشيع. والثابت في الصحيح أن الذي نكت بالقضيب هو ابن زياد، وأما نسبة ذلك إلى يزيد ففيها خلاف ولا تثبت.

وقد اختلف العلماء في شأن يزيد، فمنهم من شدد في ذمه، ومنهم من توقف، ومنهم من رأى أن الجميع أمرهم إلى الله. والقدر المتفق عليه أن قتل الحسين جريمة عظيمة، وأن ابن زياد وجنده أشد جرمًا.

أين الرأس؟

واختلفت الروايات في مكان دفن رأس الحسين، فقيل دُفن مع جسده في كربلاء، وقيل في دمشق، وقيل في المدينة بالبقيع عند قبر أمه، وقيل في القاهرة، وهو مشهد مشهور فيها ظهر في العصر الفاطمي. وقد أنكر ابن تيمية وغيره من المحققين نسبة الرأس إلى مشهد القاهرة وقالوا إنها لا تثبت. والقدر المتفق عليه أن الجسد الشريف دُفن في كربلاء، وأما الرأس فمحل خلاف لا يُجزم فيه.

عاقبة ابن زياد

وروى الترمذي عن عمارة بن عمير قال: لما جيء برأس عبيد الله بن زياد وأصحابه فنُضدت في المسجد في الرحبة، فانتهيتُ إليهم وهم يقولون: قد جاءت قد جاءت، فإذا حيّة قد جاءت تخلل الرؤوس حتى دخلت في منخري عبيد الله بن زياد، فمكثت هنيهة ثم خرجت فذهبت حتى تغيبت، ثم قالوا: قد جاءت قد جاءت، ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثًا. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقُتل ابن زياد سنة سبع وستين في وقعة الخازر على يد جيش المختار بقيادة إبراهيم بن الأشتر.

نظرة شرعية

وينبغي أن نتذكر قول الله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾، فلا يُحمَّل وزر القتل إلا من باشره أو أمر به أو رضي به، ولا يُعمَّم الحكم على أهل الكوفة جميعًا ولا على الأمويين جميعًا. وقد روى البخاري عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا»، وروى الترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمرو: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم»، فكيف بسبط رسول الله ﷺ. والواجب علينا أن نترحم على الحسين، ونعتقد أنه شهيد، ونتعلم من الحادثة حرمة الدم، وألا نزيد على ذلك بما لم يشرعه الله.

الجرح الذي لا يندمل

وبقي الحسين في ضمير الأمة رمز شهيد مظلوم. وقد تضافرت الأحاديث على فضله وعلى مكانة أهل البيت. ولهذا يقول ابن تيمية: ويجب على المسلم أن يحبهم ويتولاهم ويعرف فضلهم.

ولم يقف الأمر عند الحسين، فقد انتقل أثره إلى أهل المدينة الذين استثارتهم الفاجعة، فكان خلعهم ليزيد في وقعة الحرة، وإلى مكة حيث لجأ عبد الله بن الزبير. وإنها لسلسلة من الفتن يجرّ بعضها بعضًا، وقد ذكرناها في القصص التالية.

العبرة

العبرة: أن الصحابة الذين شهدوا مقتل الحسين أنكروه أشد الإنكار، وأن محبة النبي ﷺ تظهر في الأدب مع ذريته، وأن عاقبة الظلم ظاهرة في الدنيا قبل الآخرة.

المصدر: صحيح البخاري: كتاب فضائل الصحابة (مناقب الحسن والحسين) وكتاب الأدب؛ جامع الترمذي: أبواب المناقب وأبواب تفسير القرآن؛ تاريخ الطبري؛ البداية والنهاية؛ الكامل لابن الأثير؛ منهاج السنة.

الدرجة: حديث أنس وابن عمر في البخاري صحيحان؛ وحديث الحية في الترمذي حسن صحيح؛ وكلام زيد بن أرقم وموقف يزيد ومكان الرأس من التاريخ وفيه اختلاف وضعف وقد نُبّه عليه.