Islamic MixIslamic Mix
‹ محن وأحداث كبرى
محن وأحداث كبرىمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

خلع أهل المدينة ليزيد: وفد الشام ونصيحة ابن عمر

عبد الله بن حنظلة وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

وصية معاوية

توفي معاوية رضي الله عنه في رجب سنة ستين، وتولى ابنه يزيد. ويذكر الطبري وابن كثير أن معاوية أوصى يزيد في مرض موته بأهل الحجاز وأهل العراق وأهل الشام، ومما رووه عنه في أهل المدينة أنه قال له: إن رابك منهم ريب فعليك بمسلم بن عقبة المري، فإنه رجل صدق، أو كما قالوا. وهذه الوصية مروية في كتب التاريخ ولا تبلغ في الإسناد درجة الصحيح، لكنها مشهورة، وقد أشارت إلى أن الحجاز كان يشكّل هاجسًا لدى الأمويين.

وكان أهل المدينة في هذه المدة قد أصيبوا بمقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما، وكان في قلوبهم ما كان. ولم يكن الصحابة قد انقرضوا، ففيهم من بقي من الأنصار والمهاجرين وأبنائهم، وهم أهل علم وصلاح.

الوفد إلى الشام

وفي سنة اثنتين وستين، أرسل عثمان بن محمد بن أبي سفيان، وكان والي المدينة، وفدًا من أشرافها إلى دمشق ليروا يزيد ويكرمهم. ومنهم عبد الله بن حنظلة الأنصاري، المعروف بابن غسيل الملائكة لأن أباه حنظلة بن أبي عامر استشهد يوم أحد وهو جنب فغسلته الملائكة، كما جاء في السيرة، والمنذر بن الزبير وعبد الله بن أبي عمرو المخزومي وغيرهم. فأكرمهم يزيد وأجازهم بجوائز، وقيل إنه أعطى ابن حنظلة مائة ألف درهم وأعطى أولاده أيضًا.

فلما رجعوا إلى المدينة أظهروا ما رأوه، وقالوا كما يذكر الطبري وابن كثير: قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر ويعزف بالطنابير، وتضرب عنده القيان، ويلعب بالكلاب، وإنا نخلعه. وقيل إن ابن حنظلة قال: والله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نُرمى بالحجارة من السماء. وهذا الكلام ينسبه المؤرخون إليهم، وقد علّق عليه المحققون بأن الإسناد فيه ضعف، وأن بعض الكلام قد يكون من باب المبالغة في موقف الخصومة.

محمد بن الحنفية وروايته

ويذكر ابن كثير والذهبي ما قاله محمد بن علي بن أبي طالب، المعروف بابن الحنفية، لما مشى إليه أهل المدينة فأرادوه على خلع يزيد، فأبى. وقيل له: إنه يشرب الخمر ويترك الصلاة. فقال: ما رأيتُ منه ما تذكرون، وقد حضرته وأقمتُ عنده فرأيته مواظبًا للصلاة، متحريًا للخير، يسأل عن الفقه، ملازمًا للسنة. قالوا: إن ذلك كان تصنعًا لك. قال: وما الذي خاف مني أو رجا حتى يظهر إليّ الخشوع؟ أفأطلعكم على ما تذكرون من شرب الخمر؟ فلئن كان أطلعكم على ذلك إنكم لشركاؤه، وإن لم يكن أطلعكم فما يحلّ لكم أن تشهدوا بما لم تعلموا. قالوا: إنه عندنا لحق وإن لم نكن رأيناه. فقال: أبى الله ذلك على أهل الشهادة، ﴿إلا من شهد بالحق وهم يعلمون﴾، ولستُ من أمركم في شيء.

وهذه الرواية متداولة في كتب التاريخ والتراجم، وهي تدل على أن أهل المدينة لم يجمعوا على الخلع، وأن بين الصحابة وأبنائهم من كان يرى الصبر.

خلع يزيد

ومع ذلك مضى أهل المدينة في أمرهم. ويذكر الطبري أنهم اجتمعوا عند المنبر، فقام رجل فقال: قد خلعتُ يزيد كما خلعتُ عمامتي، وقال آخر: كما خلعتُ نعلي. وقيل إن ذلك كان في سنة ثلاث وستين. وجعلوا عليهم عبد الله بن حنظلة أميرًا على الأنصار، وعبد الله بن مطيع العدوي على قريش. وأخرجوا بني أمية من المدينة، ومنهم مروان بن الحكم وابنه عبد الملك، وحاصروا دورهم، ثم تركوهم يخرجون إلى الشام. ولم يشارك علي بن الحسين زين العابدين في ذلك، على ما ذكره المؤرخون.

وهنا خلاصة موقف ابن عمر، فقد روى البخاري عن نافع قال: لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه وولده فقال: إني سمعتُ النبي ﷺ يقول: «يُنصب لكل غادر لواء يوم القيامة»، وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني لا أعلم غدرًا أعظم من أن يبايع رجل على بيع الله ورسوله ثم يُنصب له القتال، وإني لا أعلم أحدًا منكم خلعه، ولا بايع في هذا الأمر، إلا كانت الفيصل بيني وبينه. وهكذا اعتزل ابن عمر هذه الفتنة وحذر أهله من الدخول فيها، مع ما كان في نفسه على الأمويين من أمور.

مسلم بن عقبة

فلما بلغ يزيد ذلك أرسل مسلم بن عقبة المري على رأس جيش من أهل الشام، يقال إن عدده اثنا عشر ألفًا، وهي رواية من الطبري لا تثبت بإسناد صحيح. وكان شيخًا كبيرًا مريضًا. وذكر المؤرخون أن يزيد أمره: ادعُ القوم ثلاثًا، فإن أجابوك وإلا فقاتلهم، فإذا ظهرت عليهم فأبحها ثلاثًا، فما فيها من مال أو سلاح أو طعام فهو للجند، ثم اكفف عن الناس، وانظر عليّ بن الحسين فاكفف عنه واستوصِ به خيرًا. وهذه الرواية في تاريخ الطبري، وبعض ألفاظها يشدد المؤرخون في إنكارها لأنها تنسب إلى يزيد إباحة المدينة.

ولم يشارك في الخلع ولا في القتال كبار من بقي من الصحابة كابن عمر، وذكر المؤرخون أن بعضهم، كأبي سعيد الخدري، لقي أذى من الجند.

فضل المدينة

وقبل الحديث عن المعركة نذكر ما ثبت في فضل المدينة وتحذير من أرادها بسوء. روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من أراد أهل هذه البلدة بسوء، يعني المدينة، أذابه الله كما يذوب الملح في الماء». وروى البخاري ومسلم عن علي رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «المدينة حرم ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا». وروى الإمام أحمد من حديث السائب بن خلاد: «من أخاف أهل المدينة أخافه الله وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين». وهذه الأحاديث بيّنها العلماء في مناسبة وقعة الحرة، وأن ما جرى فيها من الإرهاب والسلب مما ينطبق عليه التحذير.

العبرة

العبرة: أن الخلاف السياسي إذا بُني على الأخبار غير الموثقة جرّ الفتن، وأن نصيحة الصحابة بالجماعة والكف في زمن الفتن كانت أحفظ للدماء. وأن الشهادة على الناس بغير علم محرمة.

المصدر: صحيح البخاري: كتاب الفتن (باب إذا قال عند قوم شيئًا ثم خرج فقال بخلافه) وكتاب فضائل المدينة؛ صحيح مسلم: كتاب الحج (فضل المدينة)، كتاب الجهاد (الغدر)؛ مسند أحمد؛ تاريخ الطبري؛ البداية والنهاية؛ سير أعلام النبلاء.

الدرجة: حديث ابن عمر في الغدر وأحاديث فضل المدينة صحيحة؛ وأخبار الوفد ومحاورة ابن الحنفية وتفاصيل الجيش وتعليمات يزيد من كتب التاريخ المشهورة وفيها ضعف، وقد صُرّح بذلك.