على أبواب المدينة
سار مسلم بن عقبة المري بجيش الشام حتى نزل قرب المدينة في الحرة، وهي أرض ذات حجارة سود شرقي المدينة، ويقال لها حرة واقم. وأقام أهل المدينة معسكرهم، وكان عليهم عبد الله بن حنظلة الأنصاري وعبد الله بن مطيع. وقد دعا مسلم أهل المدينة ثلاثة أيام، كما ذكر المؤرخون، إلى الطاعة فأبوا. ولم يكن بين الجيشين نسبة في القوة، فجيش الشام كثير مدرّب، وأهل المدينة قليل أكثرهم ممن لم يعتد القتال.
وقد ذكر الطبري أن أهل المدينة حفروا خندقًا كما فعل النبي ﷺ يوم الأحزاب. ويذكر العلماء أنه قُتل في الحرة من الصحابة معقل بن سنان الأشجعي وعبد الله بن زيد بن عاصم المازني الذي رُوي عنه وصف وضوء النبي ﷺ في الصحيحين.
المعركة
وكانت المعركة في آخر ذي الحجة سنة ثلاث وستين، على أرجح الأقوال. ويذكر المؤرخون أن أهل المدينة قاتلوا في أول النهار قتالًا شديدًا حتى كاد أهل الشام ينهزمون، ثم فتح بنو حارثة، وهم من الأنصار، الطريق لجند الشام في أشهر الروايات، وجاءهم أهل الشام من خلفهم، فاضطرب الصف. وعبد الله بن حنظلة قدّم أولاده فقتلوا بين يديه ثم قاتل حتى قتل، كما ذكر الطبري. وهذه التفاصيل من الروايات التاريخية التي لا تثبت بإسناد صحيح، فلا نجزم بها.
وفرّ عبد الله بن مطيع إلى مكة، والتحق بعبد الله بن الزبير.
ثلاثة أيام
دخل جند الشام المدينة، وأباح لهم مسلم نهبها ثلاثة أيام حسب ما نُقل في الروايات. وجرى فيها قتل وسلب، وانتهكت حرمات. قال ابن كثير وغيره: وقتل من الصحابة وأبنائهم والقراء عدد كبير. ويذكر بعض الرواة أن القتلى بلغوا عشرة آلاف أو أكثر، وأن من حملة القرآن سبعمائة، لكن هذه الأعداد لا تثبت ولا يجوز الجزم بها. والثابت أن الحدث جلل وأنه خلّف جرحًا عميقًا في الأمة.
وأما ما يُروى من وقوع الاعتداء على الأعراض وأن ألف امرأة ولدن بعد الحرة من غير زوج، فهي رواية المدائني التي نقلها بعض المؤرخين، وقد استنكر العلماء إثباتها على أهل المدينة وعدّوها من المبالغات التي لا إسناد لها. ولا ينبغي أن يُثبت على أحد ما لا يصح، وقد نهى الله عن القول بغير علم.
ويقال إن مسلمًا طلب من أهل المدينة البيعة ليزيد على أنهم عبيد له، يحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم ما شاء، فمن امتنع ضُربت عنقه. وهذا مما ذكره الطبري، وقد ردّ بعض العلماء هذه الصيغة. أما علي بن الحسين زين العابدين فقد أكرمه مسلم على ما أُمر به، وتجنّب أذاه. وروى المؤرخون أن بعض من بقي من الصحابة، وفيهم أبو سعيد الخدري، آذاهم الجند أو حاولوا سلبهم.
وأما الآثار التي تُروى عن اختفاء الناس في بيوتهم وصمت المدينة وفقدان الآذان في المسجد النبوي، فقد وردت في روايات ضعيفة، ومنها أن سعيد بن المسيب كان يسمع الأذان من القبر الشريف أيام الحرة، وقد رُويت بإسناد ضعيف، فلا نبني عليها.
مسلم يموت في الطريق
ثم سار مسلم بن عقبة نحو مكة لقتال ابن الزبير، فمات في الطريق عند المشلل أو قديد قرب مكة، ودفن هناك. وولّى قيادة الجيش حصين بن نمير السكوني. ويذكر ابن كثير أنه قال في آخر حياته: اللهم إني لم أعمل عملًا قط بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله أحبّ إليّ من قتلي أهل المدينة، ولا أرجى عندي في الآخرة. وهذه الرواية في الطبري وغيره، ولا تبلغ درجة الصحيح، لكنها من الأخبار المستفيضة. وكان الناس يسمونه مسرفًا لما صنع، كما ذكر المؤرخون.
موقف أهل العلم
يذكر العلماء أن ما حدث في الحرة من أشنع ما وقع بعد عهد الصحابة، وأنه كان عدوانًا على حرم رسول الله ﷺ. وقد تقدم ما ثبت في الصحيحين من التحذير من إخافة أهل المدينة. وقد اختلف الناس في الحكم على يزيد في هذه الواقعة، فمنهم من حمله مسؤولية الأمر، وقال إنه أمر بما أمر، ومنهم من قال إنه لم يأمر بالمبالغة. والصواب أن نقول إن الحدث عظيم، وإن من تولّاه آثم، وإن أمر يزيد إلى الله، وإن الواجب الدعاء لأهل المدينة بالرحمة.
وقد ثبت في الصحيحين حديث أبي سعيد عن النبي ﷺ: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفرّ بدينه من الفتن». وفي حديث آخر: «إن بين يدي الساعة فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا».
ميزان الشرع في الدماء
وكل ما جرى في الحرة يُعرض على ميزان الشريعة في تعظيم دم المسلم. قال الله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذابًا عظيمًا﴾. وقال النبي ﷺ في خطبة حجة الوداع كما في البخاري ومسلم: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا»، وقال: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض». وهذه النصوص تنطبق على كل طرف في كل فتنة، ولذلك كان الصحابة الأبعد عن الفتنة أكثر سلامة.
وقد بقي من أبناء الصحابة بعد الحرة علماء كبار، منهم سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلي بن الحسين، حملوا العلم وبثّوه في المدينة، فنهضت بهم دار الهجرة من جديد، وذلك من فضل الله في أن العلم لا ينقطع بالمحن.
ثم إن النبي ﷺ كان قد قال في حديث الشفاعة للمدينة: «لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد من أمتي إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة»، رواه مسلم. فمن ثبت من أهلها في هذه المحنة كان مأجورًا بإذن الله.
