ابن الزبير في الحرم
كان عبد الله بن الزبير بن العوام رضي الله عنهما أول مولود للمهاجرين في المدينة بعد الهجرة، كما ثبت في صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر أنها حملت به بمكة، فقدمت المدينة فنزلت بقباء فولدته، فكبّر المسلمون فرحًا. وكان من صغار الصحابة، وعابدًا شجاعًا. لما بلغه خبر مقتل الحسين، ثم خلع أهل المدينة ليزيد، لجأ إلى الحرم بمكة مستجيرًا، ودعا إلى نفسه خليفة بعد أن كان يدعو إلى الشورى.
ولم يكن يزيد يتحمل ذلك، فلما انتهى مسلم بن عقبة من أمر المدينة أمره أن يسير إلى مكة، فمات في الطريق كما ذكرنا، وتولى قيادة الجيش الحصين بن نمير السكوني.
الحصار والمنجنيق
وصل الحصين مكة في أواخر المحرم سنة أربع وستين. ويقول المؤرخون إنه نصب المنجنيق على جبل أبي قبيس وحاصر ابن الزبير ومن معه من أهل مكة والمجاورين نحو شهرين. وقد ذكر الطبري وابن كثير أنهم كانوا يرمون بالحجارة أهل الحرم، وأصابت الحجارة الكعبة نفسها، حتى تصدّع جدارها. قال ابن كثير: وقد أصاب الكعبة من ذلك أمر عظيم.
وفي ثالث ربيع الأول من السنة ذاتها أو في قريب منه، احترقت الكعبة. وقد اختلفوا في سبب الحريق، فقيل إن بعض أصحاب ابن الزبير أوقد نارًا للتدفئة أو الإضاءة وطارت شرارة إلى أستار الكعبة، وقيل إن الأمر من رماة الشام بالنفط والنار. وذكر بعض المؤرخين أن الحجر الأسود انشق من الحريق، وأن ابن الزبير شدّه بالفضة. والصحيح أنه لا يثبت سبب بعينه للحريق، وقد اختلف المؤرخون. وليس من الصواب أن يُبنى على مثل هذه الروايات الاتهام.
موت يزيد وانسحاب الجيش
وبعد مدة قصيرة وصل خبر وفاة يزيد بن معاوية، وكانت وفاته في ربيع الأول سنة أربع وستين وهو ابن ثمان وثلاثين أو ما يقاربها، فاضطرب جيش الشام. وعرض الحصين على ابن الزبير أن يبايعه ويسير معه إلى الشام ليقوم بالأمر هناك، فأبى ابن الزبير أن يسير إلى الشام، وقيل إنه قال: أأذهب إلى الشام وقد فعلتم بأهل الحرة ما فعلتم؟ وإن بايعني أهل الشام فليقدموا عليّ. فرحل الحصين بجيشه إلى الشام. وانقسمت الشام بعد ذلك، وبايع كثيرون ابن الزبير، ثم تولى مروان بن الحكم في الشام بعد معركة مرج راهط.
كيف تعامل ابن الزبير مع الكعبة
بقيت الكعبة محترقة مصدّعة، فتركها ابن الزبير مدة ليرى الناس ما فعل أهل الشام. قال عطاء في صحيح مسلم: لما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزاه أهل الشام وكان من أمره ما كان، تركه ابن الزبير حتى قدم الناس الموسم يريد أن يجرّئهم أو يحرّبهم على أهل الشام. فلما صدر الناس قال: يا أيها الناس، أشيروا عليّ في الكعبة، أنقضها ثم أبني بناءها أو أصلح ما وهى منها؟ قال ابن عباس: فإني قد فُرق لي رأي فيها، أرى أن تصلح ما وهى منها وتدع بيتًا أسلم الناس عليه وأحجارًا أسلم الناس عليها وبُعث عليها النبي ﷺ. فقال ابن الزبير: لو كان أحدكم احترق بيته ما رضي حتى يجدّه، فكيف بيت ربكم؟ إني مستخير ربي ثلاثًا ثم عازم على أمري.
فلما مضى الثلاث أجمع رأيه على أن ينقضها، فتحاماه الناس أن ينزل بأول الناس يصعد فيه أمر من السماء حتى صعده رجل فألقى منه حجارة، فلما لم يره الناس أصابه شيء تتابعوا فنقضوه حتى بلغوا به الأرض. فجعل ابن الزبير أعمدة فستر عليها الستور حتى ارتفع بناؤه. وقد فصلنا في موضع آخر بناء ابن الزبير الكعبة على قواعد إبراهيم وبحديث عائشة في ذلك.
وكان من رأي ابن عباس رضي الله عنهما أن يُبقى البيت على حاله، وقد خالفه ابن الزبير، فكان له فيه اجتهاده. وروى مسلم عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها: «لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض وجعلت لها بابين». فنفّذ ابن الزبير ما قاله النبي ﷺ وجعل لها بابين.
حديث الجيش الذي يُخسف به
وروى مسلم أن بعض الناس ظنوا أن حديث الجيش الذي يغزو الكعبة فيُخسف بهم ينطبق على جيش الحصين. ففي صحيح مسلم من حديث أم سلمة وعائشة أن النبي ﷺ قال: «يعوذ عائذ بالبيت فيُبعث إليه بعث، فإذا كانوا ببيداء من الأرض خُسف بهم». فقال لها الناس: يا رسول الله فكيف بمن كان كارهًا؟ قال: «يخسف به معهم ولكنه يبعث يوم القيامة على نيّته». وقد جاء في بعض الروايات أن الحديث ذُكر في أيام ابن الزبير، ومع ذلك فالذي رجّحه كثير من العلماء أن الجيش المقصود يكون في آخر الزمان، فلا يُنزَّل على جيش الحصين. وهذا الحديث دليل على عظم حرمة الحرم وأن من انتهكه أخذه الله.
أثر هذه السنة
أما من حيث السياسة، فإن موت يزيد ثم موت ابنه معاوية بن يزيد بعد أسابيع، وعدم وجود خليفة قوي، دفع بالأمة إلى فوضى استمرت نحو تسع سنين، تنازع فيها ابن الزبير ومروان وعبد الملك، وظهر الخوارج والمختار وغيرهم. ولم يستقر الأمر إلا بعد مقتل ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين، كما سنحكي.
ويستفاد من هذا الباب أن الكعبة المشرفة يجب أن تُعظّم، وأن انتهاك الحرم من الكبائر، وأن إصلاح البيت وبناءه يكون بالمشورة والاستخارة لا بالهوى.
