Islamic MixIslamic Mix
‹ محن وأحداث كبرى
محن وأحداث كبرىموثّقمدة القراءة نحو ٤ دقائق

آخر أيام ابن الزبير: الحجاج وأسماء ذات النطاقين

عبد الله بن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهم

من مرج راهط إلى مسكن

بعد وفاة يزيد ثم معاوية بن يزيد، انقسمت الأمة. بايع أهل الحجاز واليمن والعراق ومصر عبد الله بن الزبير، وبايع أهل الشام مروان بن الحكم بعد معركة مرج راهط سنة أربع وستين. ثم ورثه ابنه عبد الملك بن مروان سنة خمس وستين. وجاء المختار بن أبي عبيد الثقفي في الكوفة، وقتله مصعب بن الزبير سنة سبع وستين. وفي سنة اثنتين وسبعين انتصر عبد الملك على مصعب في موقعة مسكن، وقتله، وبسط نفوذه على العراق، فلم يبق لابن الزبير إلا الحجاز.

الحجاج بن يوسف في مكة

أرسل عبد الملك الحجاج بن يوسف الثقفي في جيش من أهل الشام إلى مكة، فحاصرها نحو ستة أشهر، من ذي الحجة سنة اثنتين وسبعين إلى جمادى الآخرة أو الأولى سنة ثلاث وسبعين على الراجح. ونصب المنجنيق على جبل أبي قبيس وغيره. وقال ابن كثير: وكان يرمي بالأحجار على الكعبة وعلى المسجد الحرام. وقد أصاب المسلمين في هذه الأيام جوع وشدة، حتى قيل إنهم ذبحوا دوابهم وأكلوها. وهذا من المشهور في التاريخ.

ومن الأحداث المروية أن رعدًا وبرقًا شديدًا نزل فهلك به بعض أهل الشام، فقال الحجاج لجنده: لا يهولنكم هذا، فإني ابن تهامة، وهذه صواعق تهامة. ورواه الطبري وغيره بلا إسناد قوي. وكان الحجاج قاسيًا في الحصار، لكنه كان يترك الفرصة للعفو.

وحجّ الناس في أثناء هذا الحصار، وكان ابن عمر حاضرًا، وقد ثبت في صحيح البخاري عن سالم قال: كتب عبد الملك إلى الحجاج أن لا يخالف ابن عمر في الحج، فجاء ابن عمر وأنا معه يوم عرفة حين زالت الشمس فصاح عند سرادق الحجاج: أين هذا؟ فخرج وعليه ملحفة معصفرة، فقال: الرواح إن كنت تريد السنة. وروى البخاري كذلك أن ابن عمر أصابه سنان رمح في أخمص قدمه بمنى حين نزل الحجاج بابن الزبير، فجاءه الحجاج يعوده. وهذا يبين أن الصحابة الباقين كانوا يتحاشون الاشتراك في القتال.

تخلي الناس

ولما طال الحصار، تفرق عن ابن الزبير أنصاره. وذكر الطبري أن كثيرًا منهم خرجوا إلى الحجاج وأخذوا الأمان، ومنهم ابناه حمزة وخبيب. فبقي مع ابن الزبير نفر يسير. فدخل على أمه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، وكانت قد بلغت المئة وعميت.

المحاورة مع أسماء

ونقل ابن كثير والطبري وغيرهما ما دار بينهما، ومضمونه: أنه شكا لها خذلان الناس حتى أهله وولده، وأنه لم يبق معه إلا اليسير، وأن القوم يعطونه ما أراد من الدنيا إن استسلم، فما رأيها؟ فقالت له: أنت أعلم بنفسك، إن كنتَ تعلم أنك على حق وإليه تدعو فامضِ له، فقد قُتل عليه أصحابك، ولا تمكّن من رقبتك غلمان بني أمية يتلاعبون بها. وإن كنتَ إنما أردتَ الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكتَ نفسك وأهلكتَ من قُتل معك. وقال لها: إني أخاف أن يمثّلوا بي. فقالت: إن الشاة لا يضرها سلخها بعد ذبحها. وهذه الرواية من الأخبار التي تتناقلها كتب التاريخ، وفي إسنادها كلام، ولكنها تتفق مع ما ثبت من ثبات أسماء ويقينها.

مقتله

وقاتل ابن الزبير حتى قُتل رضي الله عنه في السابع عشر من جمادى الأولى، أو الآخرة، سنة ثلاث وسبعين، وعمره اثنتان وسبعون سنة، فيما ذكره المؤرخون. وأمر الحجاج بصلبه. وروى مسلم عن أبي نوفل قال: رأيتُ عبد الله بن الزبير على عقبة المدينة، قال: فجعلت قريش تمرّ عليه والناس حتى مرّ عليه عبد الله بن عمر فوقف عليه فقال: السلام عليك أبا خبيب، السلام عليك أبا خبيب، السلام عليك أبا خبيب، أما والله لقد كنتُ أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنتُ أنهاك عن هذا، أما والله لقد كنتُ أنهاك عن هذا، أما والله إن كنتَ ما علمتُ صوّامًا قوّامًا وصولًا للرحم، أما والله لأمة أنت أشرّها لأمة خير.

أسماء والحجاج

وفي الرواية نفسها في صحيح مسلم: فبلغ الحجاج موقف عبد الله وقوله، فأرسل إليه فأُنزل عن جذعه فأُلقي في قبور اليهود، ثم أرسل إلى أمه أسماء بنت أبي بكر فأبت أن تأتيه، فأعاد عليها الرسول: لتأتيني أو لأبعثنّ إليك من يسحبك بقرونك. قال: فأبت وقالت: والله لا آتيك حتى تبعث إليّ من يسحبني بقروني. قال: فقال: أروني سِبْتيّ، فأخذ نعليه ثم انطلق يتوذّف حتى دخل عليها فقال: كيف رأيتني صنعتُ بعدو الله؟ قالت: رأيتك أفسدتَ عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك. بلغني أنك تقول له: يا ابن ذات النطاقين، أنا والله ذات النطاقين، أما أحدهما فكنتُ أرفع به طعام رسول الله ﷺ وطعام أبي بكر من الدواب، وأما الآخر فنطاق المرأة التي لا تستغني عنه. أما إن رسول الله ﷺ حدثنا: «أن في ثقيف كذابًا ومبيرًا»، فأما الكذاب فرأيناه، وأما المبير فلا إخالك إلا إياه. قال: فقام عنها ولم يراجعها.

والكذاب هو المختار بن أبي عبيد الثقفي، والمبير هو الحجاج، أي المهلك. وقد توفيت أسماء بعد ابنها بأيام، فيقال بعد عشرين يومًا، وقيل بعد مدة قصيرة.

ما بعد المقتل

ولما انتهت الفتنة بمقتل ابن الزبير بايع الناس عبد الملك بن مروان، واستقر له الأمر. وعمد الحجاج إلى الكعبة فهدم ما زاده ابن الزبير وأعادها على بناء قريش، وكتب إلى عبد الملك بما فعل. ثم بلغ عبد الملك حديث عائشة في الصحيح فندم وقال: وددتُ أني تركتُه وما تحمّل، أي لو تركنا بناء ابن الزبير. ذكره مسلم في صحيحه.

وقد اجتهد ابن الزبير رضي الله عنه في طلب الحق كما رآه، ولا يُطعن في دينه وعبادته، وقد شهد له ابن عمر بأنه كان صوّامًا قوّامًا وصولًا للرحم.

العبرة

العبرة: أن ثبات المؤمن على الحق أعظم من التمسك بالحياة، وأن أسماء مثال للمرأة الصابرة المحتسبة، وأن أحاديث النبي ﷺ تتحقق بحرفها، فقد صدق في كذاب ثقيف ومبيرها.

المصدر: صحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة (باب ذكر كذاب ثقيف ومبيرها)، كتاب الحج (بناء الكعبة)؛ صحيح البخاري: كتاب الحج (باب الجمع بين الصلاتين بعرفة)؛ تاريخ الطبري؛ البداية والنهاية؛ سير أعلام النبلاء.

الدرجة: حديث أبي نوفل وأسماء والحجاج وحديث كذاب ثقيف ومبيرها في صحيح مسلم صحيح؛ وتفاصيل الحصار والمحاورة بين ابن الزبير وأمه من التاريخ وفي أسانيدها كلام وقد نُبّه عليه.