Islamic MixIslamic Mix
‹ محن وأحداث كبرى
محن وأحداث كبرىمشهورمدة القراءة نحو ٤ دقائق

سعيد بن جبير بين يدي الحجاج: حديث العالم الذي قال كلمته ومضى

سعيد بن جبير رحمه الله

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

من هو سعيد بن جبير

هو سعيد بن جبير الأسدي الكوفي، مولى لبني والبة من بني أسد، وُلد في الكوفة سنة خمس وأربعين على المشهور. تتلمذ على عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وأخذ عنه التفسير والقراءة والفقه، وكان من أعلم التابعين بالقرآن. قال ابن حجر في تقريب التهذيب: ثقة ثبت فقيه. وقال الإمام أحمد بن حنبل: قُتل سعيد بن جبير وما على وجه الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه. وهذه الكلمة مشهورة عن الإمام أحمد.

وكان رحمه الله عابدًا، يُنقل في التراجم أنه كان يختم القرآن في كل ليلتين، وأنه كان يقول كما في حلية الأولياء: الخشية أن تخشى الله حتى تحول خشيته بينك وبين معصيتك، فتلك الخشية.

مع ابن الأشعث

عيّن الحجاج بن يوسف الثقفي وهو والي العراق سعيد بن جبير على عطاء الجند، وقيل أميرًا على الكوفة أو قاضيًا، وفي بعض الروايات أنه كان إمامًا في المسجد. ثم في سنة إحدى وثمانين أو اثنتين وثمانين خرج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث على الحجاج وعلى عبد الملك بن مروان، وانضم إليه جماعة من القراء والعلماء، منهم سعيد بن جبير والشعبي وأبو البختري الطائي وغيرهم. وكانوا يرون أن الحجاج ظالم متجبّر، وأن الخروج عليه واجب. واحتدمت المعارك بينه وبين ابن الأشعث، منها معركة دير الجماجم، وانتهت بهزيمة ابن الأشعث وتشتت أصحابه.

وفي المقابل، كان الحسن البصري ينهى عن هذا الخروج، وذكر ابن سعد في الطبقات أنه قال لما سُئل عن قتال الحجاج: أرى ألا تقاتلوه، فإنها إن تكن عقوبة من الله فما أنتم برادّي عقوبة الله بأسيافكم، وإن يكن بلاء فاصبروا حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين. فهذه هي مدرسة أهل السنة التي استقر عليها الأمر بعد: الصبر على جور الأئمة وعدم الخروج عليهم بالسيف، لما فيه من سفك الدماء وكثرة الفتن. وأما سعيد بن جبير ومن معه فقد تأولوا واجتهدوا، ولم يكن خروجهم عن هوى.

الاختفاء والقبض

بعد الهزيمة فرّ سعيد إلى مكة، واختفى فيها سنين طويلة، يقال إنها نحو عشر سنين أو أكثر، ثم قبض عليه والي مكة خالد بن عبد الله القسري بأمر من الوليد بن عبد الملك، سنة خمس وتسعين، وأرسله إلى الحجاج. ويروى أنه لما نُصح بالهرب قال: والله لقد فررتُ حتى استحييتُ من الله، ولا مفرّ من قدر الله.

المحاورة

وقد روى أبو نعيم في حلية الأولياء، ونقل ابن كثير والذهبي وغيرهما، حوارًا مطولًا بين سعيد والحجاج. وهذه الروايات من أخبار التراجم المشهورة، وفي أسانيد بعضها مقال، فنقتصر على أشهرها مع التنبيه على ذلك.

قال الحجاج: ما اسمك؟ قال: سعيد بن جبير. قال: بل شقيّ بن كسير. قال: أمي كانت أعلم باسمي منك. قال: شقيت أمك وشقيتَ أنت. قال: الغيب يعلمه غيرك. قال: لأبدلنّك بالدنيا نارًا تلظّى. قال: لو علمتُ أن ذلك إليك لاتخذتك إلهًا. قال: فما قولك في محمد؟ قال: نبي الرحمة، إمام الهدى. قال: فما قولك في الخلفاء؟ قال: لستُ عليهم بوكيل. قال: أيهم أعجب إليك؟ قال: أرضاهم لخالقي. قال: فأيهم أرضى للخالق؟ قال: علم ذلك عند الذي يعلم سرّهم ونجواهم. قال: أبيتَ أن تصدقني. قال: إني لم أحب أن أكذبك.

ثم قال: اختر يا سعيد أي قتلة تريد أن أقتلك. قال: اختر أنت لنفسك يا حجاج، فوالله لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله مثلها في الآخرة. قال: أفتريد أن أعفو عنك؟ قال: إن كان العفو فمن الله، وأما أنت فلا براءة لك ولا عذر.

اللحظات الأخيرة

فأمر به أن يُقتل. فتبسّم سعيد، فسأله الحجاج: ما أضحكك؟ قال: عجبتُ من جرأتك على الله وحلم الله عليك. فأمر بالنطع فبُسط، فلما أضجع تلا: ﴿إني وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين﴾. قال الحجاج: وجّهوا به لغير القبلة. قال: ﴿فأينما تولّوا فثمّ وجه الله﴾. قال: كبّوه على وجهه. قال: ﴿منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى﴾. قال: اذبحوه. قال: أما إني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، خذها مني حتى تلقاني بها يوم القيامة. ثم دعا: اللهم لا تسلّطه على أحد يقتله بعدي.

وهذا الحوار يرد في كتب كثيرة بصور متقاربة، لكن لا يوجد له إسناد قوي متصل في الكتب المسندة. وقد أنكر بعض النقاد ألفاظًا فيه. غير أن المتفق عليه عند أهل العلم أن الحجاج قتله ظلمًا وأنه ثبت ثباتًا عظيمًا.

مصير الحجاج

ويذكر المؤرخون، ومنهم ابن كثير والذهبي، أن الحجاج لم يعش بعد قتل سعيد إلا أسابيع، وأنه كان يقول: ما لي ولسعيد بن جبير؟ كلما أردتُ النوم أخذ برجلي. وتوفي الحجاج في رمضان سنة خمس وتسعين، وسعيد في شعبان أو شوال. وهذه الرواية مشهورة في التراجم، وقد استجاب الله، فيما يُظن، دعاء سعيد. وليس الجزم بذلك من باب العلم القاطع، وإنما هو من باب الاعتبار.

وقد روى البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته»، ثم قرأ: ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد﴾.

العبرة

العبرة: أن العالم الصادق يثبت عند الموت ويقول الحق ولا يخاف إلا الله، وأن الظالم مهما بلغ سلطانه فإن الله يأخذه. وأن الصبر على جور الحاكم أقرب إلى حقن الدماء.

المصدر: حلية الأولياء لأبي نعيم؛ الطبقات الكبرى لابن سعد؛ سير أعلام النبلاء للذهبي؛ البداية والنهاية لابن كثير؛ تقريب التهذيب لابن حجر؛ صحيح البخاري: كتاب التفسير (سورة هود)؛ صحيح مسلم: كتاب البر والصلة.

الدرجة: ترجمة سعيد وثقته وثناء الإمام أحمد ثابتة عند أهل العلم؛ وأخبار الحوار الطويل مع الحجاج والرؤى والاختفاء من كتب التراجم المشهورة وليس لها إسناد قوي متصل، وقد نُبّه على ذلك.