الحديث
روى مسلم في صحيحه من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قولها للحجاج: «إن رسول الله ﷺ حدّثنا أن في ثقيف كذّابًا ومبيرًا، فأما الكذاب فرأيناه، وأما المبير فلا إخالك إلا إياه». ورواه الترمذي وأحمد بنحوه: «في ثقيف كذاب ومبير». قال الترمذي: حسن غريب. وهكذا تتفق الروايتان على أن في قبيلة ثقيف سيظهر رجل كذاب ورجل مهلك، أي يكثر القتل.
وقد حمل العلماء الكذاب على المختار بن أبي عبيد الثقفي، والمبير على الحجاج بن يوسف الثقفي، كما قالت أسماء بنت أبي بكر لما دخل عليها الحجاج بعد قتل ابنها عبد الله بن الزبير، وكما فهم السلف. والحديث من دلائل النبوة، فقد وقع كما أخبر ﷺ.
المختار
هو المختار بن أبي عبيد بن مسعود الثقفي، وأبوه أبو عبيد بن مسعود قُتل يوم الجسر في فتوح العراق سنة ثلاث عشرة. وكان المختار يومئذ صغيرًا. ونشأ في المدائن عند عمه سعد بن مسعود، ثم كان في الكوفة لما قدم مسلم بن عقيل، فحبسه ابن زياد وتوسط له ابن عمر، زوج أخته، ثم خرج إلى الحجاز وبايع ابن الزبير مدة، ثم رجع إلى الكوفة سنة ست وستين.
وفي الكوفة دعا الناس إلى الطلب بدم الحسين رضي الله عنه، وزعم أنه يدعو إلى محمد بن الحنفية ابن علي، وكان يسميه المهدي. وكان له أنصار كثيرون من الموالي ومن شيعة الكوفة. ثم قتل جماعة من قتلة الحسين، منهم عمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن وخولي بن يزيد وسنان بن أنس، فيما يذكره الطبري، وأرسل جيشًا بقيادة إبراهيم بن الأشتر فلقي جيش عبيد الله بن زياد عند نهر الخازر قرب الموصل سنة سبع وستين، فقُتل ابن زياد.
ادعاء الوحي
وأما الذي جعل العلماء يسمّونه كذابًا فهو ما نُسب إليه من ادعاء أنه يوحى إليه. رُوي عن ابن عمر وغيره أنه قيل له إن المختار يزعم أن الوحي ينزل عليه، فقال: صدق، قال الله تعالى: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم﴾. وقد ذكر الطبري وابن كثير نحو هذا، ويقال إنه ادّعى أن جبريل يأتيه، وأنه كان يستخدم السجع والكهانة، وأن له كرسيًّا يزعم أنه كرسي علي، يتبرك به أتباعه. وهذه التفاصيل في الكتب التاريخية ولا تبلغ في الإسناد مبلغ الصحة، وقد اختلف الباحثون في شأنه، فمنهم من رأى أنه أظهر شيئًا وأخفى شيئًا، ومنهم من اتهمه بالزندقة.
والذي يكفي أن نقوله إن المختار قُتل سنة سبع وستين على يد مصعب بن الزبير، بعد أن حاصره في قصر الكوفة، وانتهى أمره. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يُبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله». وهؤلاء ادعوا النبوة صراحة كمسيلمة والأسود العنسي، وأما المختار فاختلفوا في أنه ادعى النبوة أو الوحي.
الحجاج: مبير ثقيف
هو الحجاج بن يوسف بن الحكم الثقفي، ولد في الطائف سنة أربعين تقريبًا، وكان معلّمًا في صغره في الطائف ثم التحق بشرطة الأمويين، وأرسله عبد الملك لقتال ابن الزبير. ثم ولاه الحجاز، ثم العراق سنة خمس وسبعين، فبقي واليًا عليه نحو عشرين سنة حتى مات سنة خمس وتسعين.
اشتهر الحجاج بالشدة الشديدة في الحكم. قال ابن كثير والذهبي ما معناه إنه كان سفّاكًا للدماء، ظلومًا غشومًا، وإنه قتل خلقًا كثيرًا من الصحابة والتابعين، منهم عبد الله بن الزبير وسعيد بن جبير وغيرهما. وروى الذهبي في سير أعلام النبلاء عن هشام بن حسان قال: أحصوا ما قتل الحجاج صبرًا فبلغ مئة ألف وعشرين ألفًا. وفي رواية أن في سجنه عند موته خمسين ألف رجل وثلاثين ألف امرأة. وهذه الأعداد رُويت في الكتب ولا تُجزم، فقد تكون مبالغًا فيها، لكنها تدل على فداحة ما صنع.
وقد جاء عن بعض السلف كلمات شديدة في الحجاج. ويروى عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: لو جاءت كل أمة بخبيثتها وجئنا بالحجاج لغلبناهم. وفي مقابل ذلك لم يقل الصالحون بالخروج عليه، فقد قال الحسن البصري: الحجاج عقوبة من الله فلا تقابلوا عقوبة الله بالسيف. وقد تقدم.
الحجاج: وجه آخر
ولكن ينبغي الإنصاف، فقد كان للحجاج مواقف ذكرها المؤرخون: فقد كان فصيحًا خطيبًا، حافظًا للقرآن، وبنى مدينة واسط، وأخمد الفتن، وشجّع الفتوحات في الهند وما وراء النهر على يد محمد بن القاسم وقتيبة بن مسلم. وقد قال الذهبي: له حسنات مغمورة في بحر ذنوبه، وأمره إلى الله. وهذه العبارة الجامعة تبيّن موقف الإنصاف. وقد اختلف العلماء في جواز لعنه بعينه، فمنهم من أجازه لشدة ظلمه، ومنهم من منع لأن الأمر مرده إلى الله.
فقه الحديث
ويستفاد من هذا الحديث وغيره أن إخبار النبي ﷺ بالغيب من دلائل النبوة، وأنه وقع بحذافيره. ويستفاد أن الكذاب قد يتلبس بالتشيع أو بغيره لجذب الأتباع، وأن حب أهل البيت لا يصح أن يتخذ سلمًا لادعاء الوحي أو لاستباحة الدماء. ويستفاد أن الولاة الظلمة عقوبة تنزل بالناس بسبب ذنوبهم، وأن الصبر والدعاء والإصلاح طريق الخلاص. قال الله تعالى: ﴿وكذلك نولي بعض الظالمين بعضًا بما كانوا يكسبون﴾.
ويستفاد أيضًا ما بيّنته أسماء بنت أبي بكر من شجاعة في الحق، فقد واجهت الحجاج وهو في قمة سلطانه، فلم تجاملْه ولم تخفْ منه، وقالت له ما قالت. وهذه صفة العلماء والصالحين: الصدق بلا خوف.
