الخروج إلى الشام
خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الشام، فلما بلغ سَرْغ، وهي قرية على حدود الحجاز والشام قرب تبوك، لقيه أمراء الأجناد، أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشام. وهذا الخبر ثابت في صحيح البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وهو من أجلّ ما ورد في الوقاية من الأوبئة.
والطاعون الذي يشير إليه المؤرخون هنا هو طاعون عمواس، وقد كان في السنة الثامنة عشرة للهجرة، وهلك فيه جمع كبير من أهل الشام، منهم أبو عبيدة ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما كما ثبت في الأخبار.
الاستشارة الأولى: المهاجرون
قال ابن عباس: فقال لي عمر: ادعُ لي المهاجرين الأولين. فدعوتهم فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام. فاختلفوا. فقال بعضهم: خرجتَ لأمر ولا نرى أن ترجع عنه. وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله ﷺ ولا نرى أن تُقدمهم على هذا الوباء. فقال: ارتفعوا عني.
الاستشارة الثانية: الأنصار
ثم قال: ادعُ لي الأنصار. فدعوتهم فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم. فقال: ارتفعوا عني.
الاستشارة الثالثة: مشيخة قريش
ثم قال: ادعُ لي من كان هاهنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح. فدعوتهم، فلم يختلف عليه منهم رجلان، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء. فنادى عمر في الناس: إني مصبّح على ظهر فأصبحوا عليه. أي إني راجع إلى المدينة فكونوا على ظهر الراحلة.
وفي هذه الاستشارات الثلاث درس في منهج الشورى: بدأ بأهل السبق، ثم بالأنصار، ثم بمن أسلم عام الفتح الذين لهم تجارب في الدنيا ورأي، فلما اجتمعوا على رأي لا يختلف فيه اثنان رجح به.
الحوار بين عمر وأبي عبيدة
قال أبو عبيدة بن الجراح: أفرارًا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرُك قالها يا أبا عبيدة، وكان عمر يكره خلافه، نعم، نفرّ من قدر الله إلى قدر الله. أرأيتَ لو كانت لك إبل فهبطت واديًا له عدوتان، إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيتَ الخصبة رعيتَها بقدر الله، وإن رعيتَ الجدبة رعيتَها بقدر الله؟
وفي هذا الجواب أصل عظيم في فهم القدر: أن الأخذ بالأسباب لا ينافي الإيمان بالقدر، بل هو من القدر نفسه. فالإنسان مأمور بتجنب أسباب الهلاك، كما أنه مأمور بالتوكل على الله. وقد قال النبي ﷺ: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز»، رواه مسلم.
حديث عبد الرحمن بن عوف
قال ابن عباس: فجاء عبد الرحمن بن عوف، وكان متغيبًا في بعض حاجته، فقال: إن عندي من هذا علمًا، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه». قال: فحمد الله عمر ثم انصرف.
وهذا الحديث من الأصول الطبية في الإسلام، وهو ما يسمى اليوم بالحجر الصحي. فقد نهى النبي ﷺ عن الدخول إلى أرض الوباء، ونهى عن الخروج منها فرارًا. ذكر العلماء، ومنهم ابن حجر في كتابه بذل الماعون وفي فتح الباري، أن الحكمة في النهي عن الدخول الأخذ بالأسباب وعدم الإلقاء باليد إلى التهلكة، وفي النهي عن الخروج منع انتشار الوباء إلى مناطق أخرى، وحفظ للنفوس وثقة بالله. وقال غيره: فيه أن من في أرض الوباء لو خرجوا جميعًا لضاع المرضى ومن لا يقدر على الخروج.
ثواب من ثبت
وجاءت أحاديث في ثواب الصابر في الطاعون. فروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله ﷺ عن الطاعون فأخبرها أنه كان عذابًا يبعثه الله على من يشاء، فجعله الله رحمة للمؤمنين، «فليس من عبد يقع الطاعون فيمكث في بلده صابرًا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد». وروى البخاري ومسلم عن أنس: «الطاعون شهادة لكل مسلم».
أبو عبيدة وكتاب عمر
ويذكر الطبري وابن كثير وغيرهما أن عمر رضي الله عنه كتب إلى أبي عبيدة بعد رجوعه يقول: إنه قد عرضت لي حاجة لا غنى بي عنك فيها، فإذا أتاك كتابي ليلًا فإني أعزم عليك ألا تصبح حتى تركب إليّ، وإن أتاك نهارًا فإني أعزم عليك ألا تمسي حتى تركب إليّ. فلما أتاه الكتاب قال: قد عرفتُ حاجة أمير المؤمنين إلي، إنه يريد أن يستبقي من ليس بباقٍ. ثم كتب إليه: إني في جند من أجناد المسلمين لا أرغب بنفسي عنهم، فلست أريد فراقهم حتى يقضي الله فيّ وفيهم أمره. فلما قرأ عمر الكتاب بكى. فقيل له: مات أبو عبيدة؟ قال: لا، وكأن قد. وهذه الرواية من التاريخ وفي إسنادها مقال، لكنها مشهورة.
وتوفي أبو عبيدة في الطاعون وهو ابن ثمان وخمسين سنة، ثم معاذ بن جبل رضي الله عنهما. وتولى عمرو بن العاص أمر الجند، وبعد اندحار الوباء رجع الناس إلى بلادهم.
الخلاصة
تبين هذه الواقعة أن الاحتراز من الأوبئة مأمور به شرعًا، وأن إيمان الصحابة بالقدر لم يمنعهم من الأخذ بالأسباب، وأن الاستشارة في المصائب من سنة الخلفاء الراشدين، وأن حديث الرسول ﷺ يفصل النزاع. وقد أرجعت هذه الحادثة الكثيرين إلى الاعتبار.
