لما حاصر رسول الله ﷺ بني قريظة وجهدهم الحصار وقذف الله في قلوبهم الرعب، طلبوا منه أن يرسل إليهم أبا لبابة بن عبد المنذر، وكان حليفًا لهم وكانت أمواله وأولاده عندهم، ليستشيروه. فلما رأوه قام إليه الرجال وجهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه، فرقّ لهم. وقالوا له: يا أبا لبابة، أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه، أنه الذبح.
قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله. ثم انطلق على وجهه ولم يأتِ رسول الله ﷺ، حتى ارتبط في المسجد إلى جذع من جذوعه، وقال: لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله عليّ مما صنعت، وعاهد الله ألّا يطأ بني قريظة أبدًا ولا يُرى في بلد خان الله ورسوله فيه أبدًا.
فلما بلغ رسول الله ﷺ خبره، وكان قد استبطأه، قال: «أما إنه لو جاءني لاستغفرت له، فأما إذ فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه».
ومكث أبو لبابة على حاله هذه، وذكر ابن إسحاق أن امرأته كانت تأتيه في وقت كل صلاة فتحلّه للصلاة ثم يعود فيرتبط. ثم أنزل الله توبته على نبيه ﷺ وهو في بيت أم سلمة رضي الله عنها. تقول أم سلمة: سمعت رسول الله ﷺ من السحر وهو يضحك، فقلت: مم تضحك يا رسول الله، أضحك الله سنّك؟ قال: «تيب على أبي لبابة». قلت: أفلا أبشّره يا رسول الله؟ قال: «بلى إن شئتِ». فقامت على باب حجرتها فقالت: يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك.
فثار الناس إليه ليطلقوه، فقال: لا والله حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يحلّني بيده. فلما مرّ عليه رسول الله ﷺ خارجًا إلى صلاة الصبح حلّه.
وقال أبو لبابة بعدها: يا رسول الله، إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي كله صدقة إلى الله ورسوله. فقال له ﷺ: «يجزيك الثلث يا أبا لبابة».
وذكر المفسرون أن قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون * واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم﴾ نزل في شأنه، وكان ماله وولده عند بني قريظة سببًا في ميله إليهم.
وفي القصة درس ثمين: أن أبا لبابة لم ينتظر عقوبة من أحد، بل عاقب نفسه فورًا حين أدرك خطأه، وربط نفسه في موضع عام ليعلم الناس كلهم بتوبته، ولم يتحلل من هذا الارتباط إلا حين قبل الله منه وأذن له رسوله.
وهكذا أدرك أبو لبابة بسرعة أن كلمة واحدة أفشى بها السر كانت خيانة لله ولرسوله، فلم يبرّر لنفسه بأن أهله وماله عند من استشاروه، بل رجع إلى ربه وعاقب نفسه بنفسه، ثم تصدّق وهجر دار الذنب. فكانت توبته من أبلغ صور التوبة النصوح: ندم على ما مضى، وعزم على ألّا يعود، وعمل صالح يمحو أثر الخطيئة.
