Islamic MixIslamic Mix
‹ أخلاق وفضائل
أخلاق وفضائلمشهور

عروة بن الزبير: لك الحمد كان لي أطراف أربعة

عروة بن الزبير رحمه الله

هذه القصة مشهورة متداولة، وفي سندها مقال — راجع درجة الرواية بالأسفل قبل الاعتماد عليها.

عروة بن الزبير بن العوام رحمه الله، ابن أسماء بنت أبي بكر الصديق ونسيب عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهم، من كبار التابعين وأحد فقهاء المدينة السبعة، أخذ العلم عن خالته عائشة رضي الله عنها وروى عنها كثيرًا.

تذكر كتب التراجم أنه خرج إلى الشام في زمن الوليد بن عبد الملك ومعه ابنه محمد، وأصابت رجله علّة تسمى الأَكِلة، وخشي الأطباء أن تسري إلى بدنه، فأشاروا بقطعها. ويُروى أنهم عرضوا عليه أن يشرب شيئًا يزيل عقله فلا يحسّ بالألم، فأبى أن يشرب ما يذهب عقله، فقُطعت رجله وهو صابر على الألم.

وفي اليوم نفسه، كما تروي هذه الكتب، دخل ابنه محمد إلى إسطبل الدواب فرفسته دابة فمات، فجاء الخبر إلى عروة وهو في ألم رجله. فقال: اللهم لك الحمد، كان لي أطراف أربعة فأخذت واحدًا وأبقيت ثلاثة، وكان لي بنون فأخذت واحدًا وأبقيت سائرهم، فلئن كنت قد أخذت فلقد أبقيت، ولئن كنت قد ابتليت فلقد عافيت. هذه ألفاظ الرواية المشهورة، وقد اختلفت بعض الروايات في بعض ألفاظها.

ويُروى أنه لما رأى رجله مقطوعة قال: اللهم إنك تعلم أني ما مشيت بها إلى حرام قط. وهذه تفاصيل متفرقة في كتب التراجم، لكن الروايات اتفقت على أصل القصة: أن عروة فقد رجله وابنه في يوم واحد، فلم يقل إلا الحمد لله، ولم يجزع ولم يتسخط.

وفي هذه القصة صورة عملية لقول الله تعالى: ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾. فقد جمع عروة بين الحمد على ما أبقى الله له، والرضا بما أخذ، والاعتراف بأن العافية التي بقيت أكبر من الابتلاء الذي نزل. وهذا هو أرفع مقامات الصبر: أن يرى العبد نعمة الله عليه حتى في موضع المصيبة، فيشكر ولا يشكو.

ويروي أبو نعيم في الحلية وغيره أنه كان يقرأ كل يوم ربع القرآن نظرًا في المصحف، ويقوم به الليل، فما تركه إلا ليلة قُطعت رجله. وتوفي رحمه الله بالمدينة سنة أربع وتسعين على الأرجح، وكان من أبرز علماء زمانه، ومن تلاميذه الزهري وعمر بن عبد العزيز وغيرهما ممن أخذوا عنه.

ويُروى عن عروة رحمه الله أنه كان يوصي أبناءه بالعلم فيقول لهم ما معناه: يا بني، تعلّموا العلم، فإنكم إن تكونوا صغار قوم فعسى أن تكونوا كبار قوم آخرين، وما أقبح بشيخٍ يُسأل وليس عنده علم. وتأمل كيف جمع هذا الرجل بين العلم والصبر على البلاء: فالعلم هو الذي ثبّته عند المصيبة، لأنه كان يعرف أن الله هو الذي يعطي ويأخذ.

العبرة

المؤمن الراضي عن ربه يحمد الله على ما أبقى له حتى في أشد المصائب، فيقدّم شكر ما بقي على الحزن على ما ذهب.

المصدر: حلية الأولياء لأبي نعيم، ترجمة عروة بن الزبير؛ وسير أعلام النبلاء؛ والبداية والنهاية لابن كثير

الدرجة: مشهور في كتب التراجم والتاريخ