يقص القرآن الكريم في سورة يوسف قصة يعقوب عليه السلام وابتلاءه بفقد ابنه يوسف ثم أخيه بنيامين. بدأ الأمر حين رأى يوسف رؤيا وحدّث بها أباه، فقال له يعقوب: ﴿يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدًا﴾. ثم دبّر إخوة يوسف مكيدتهم وألقوه في البئر، وجاؤوا أباهم عشاء يبكون ومعهم قميص عليه دم كذب.
قال يعقوب عليه السلام: ﴿بل سوّلت لكم أنفسكم أمرًا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون﴾. فلم يتهور ولم ييأس، بل اختار الصبر الجميل، وهو الصبر الذي لا شكوى فيه إلى الخلق، وجعل استعانته بالله وحده.
ومضت السنون، وجاء إخوة يوسف مرة بعد مرة إلى مصر يطلبون الطعام، وطلب منهم يعقوب أن يرسلوا معهم أخاهم بنيامين فلم يرسله حتى أخذ منهم موثقًا من الله. ثم قال لهم وهم خارجون: ﴿يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون﴾. فأخذ بالأسباب وأعلن توكله على الله.
ثم عاد الإخوة بخبر أن بنيامين قد أُخذ، فقال لهم يعقوب مرة أخرى: ﴿بل سوّلت لكم أنفسكم أمرًا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعًا إنه هو العليم الحكيم﴾. ثم ﴿وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم﴾. أي كان مليئًا بالحزن يكتمه.
فقال له أبناؤه: ﴿تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضًا أو تكون من الهالكين﴾. فأجابهم: ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون﴾. فهو لا يشكو إلا إلى الله.
ثم قال لهم: ﴿يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾. فبعد أن ابيضّت عيناه من الحزن، ما زال يوصيهم ألا ييأسوا من رحمة الله.
وتتابع الأحداث، فيأتي يوسف عليه السلام بقميصه ويقول لإخوته: ﴿اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرًا وأتوني بأهلكم أجمعين﴾. ﴿ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفنّدون﴾. ﴿فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرًا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون﴾.
وهكذا تحقق رجاء يعقوب بعد صبر جميل طويل: عاد إليه بصره، وعاد إليه ابنه، واجتمع شمل العائلة.
ويلاحظ في قصة يعقوب عليه السلام أنه جمع بين الصبر والتوكل والأخذ بالأسباب: صبر على فقد يوسف، وأوصى أبناءه بالاحتياط حين دخولهم مصر، ثم أعلن أن الحكم لله وحده. فلم يمنعه الأخذ بالأسباب من التوكل، ولم يمنعه التوكل من الأخذ بالأسباب. وكان مع حزنه الشديد لا يشكو إلا إلى الله، ولا يقنط من رحمته، فكان جزاؤه من الله أن ردّ عليه بصره وولديه.
