يخبرنا القرآن الكريم عن زمان فرعون الطاغية: ﴿إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعًا يستضعف طائفة منهم يذبّح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين﴾. وفي هذا الزمان وُلد موسى عليه السلام، وكان الخطر محدقًا بكل مولود ذكر من بني إسرائيل.
فقال تعالى: ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفتِ عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادّوه إليك وجاعلوه من المرسلين﴾. فجمع الله لها في الوحي أمرين ونهيين ووعدين: أن ترضعه ثم تلقيه في اليم عند الخوف عليه، وألا تخاف ولا تحزن، وأنه سيعود إليها، وأنه سيكون من المرسلين.
ثم قال تعالى: ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوًّا وحزنًا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين﴾. وقالت امرأة فرعون: ﴿قرّة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا وهم لا يشعرون﴾.
أما قلب الأم فيصفه القرآن بقوله: ﴿وأصبح فؤاد أم موسى فارغًا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين﴾. أي أصبح قلبها خاليًا من كل شيء إلا من ابنها، وكادت تعلن أمره من شدة الاضطراب، لولا أن الله ثبّت قلبها وربط عليه بالصبر والإيمان.
ثم قال تعالى: ﴿وقالت لأخته قصّيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون * وحرّمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلّكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون﴾. فأرسلت الأم ابنتها تتبع أثره، فرأته عن بعد وهم لا يعلمون أنها أخته. وكان الله قد منع موسى من الرضاع من المراضع، فاقترحت الأخت أن تدلهم على أهل بيت يكفلونه.
فكانت النتيجة: ﴿فرددناه إلى أمه كي تقرّ عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾. وقال تعالى في سورة طه مخاطبًا موسى: ﴿فرجعناك إلى أمك كي تقرّ عينها ولا تحزن﴾.
وفي هذه القصة أن الأم لم تعتمد على أسبابها وحدها، فالسبب الظاهر أن تلقي طفلها في اليم، وهو مخالف لما يميل إليه قلب كل أم. ولكنها امتثلت لأمر الله ووثقت بوعده، فكان الله خير الحافظين.
وفي سورة طه يذكّر الله موسى بنعمته عليه: ﴿ولقد مننا عليك مرة أخرى * إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى * أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني﴾. فجعل الله ما يخشاه الناس سببًا للنجاة: اليمّ الذي كان مظنة الهلاك صار الطريق إلى بيت العدو، والعدوّ صار حاضنًا للطفل الذي سيزيل ملكه.
والعبرة أن الله حين يأمر عبده بما تنفر منه نفسه فإنما يريد به حفظه وخيره، وأن الصبر على الأمر الشاق والثقة بوعد الله من علامات الإيمان.
