يقص علينا القرآن في سورة غافر موقف رجل مؤمن من آل فرعون كان يكتم إيمانه. فحين قال فرعون: ﴿ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدّل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد﴾، قام هذا الرجل: ﴿وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبًا فعليه كذبه وإن يك صادقًا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب﴾.
دافع عن موسى عليه السلام بحجة عاقلة هادئة: إن كان كاذبًا فكذبه عليه، وإن كان صادقًا أصابكم بعض ما يعدكم. ثم ذكّرهم بنعمة الملك: ﴿يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا﴾. فرد عليه فرعون: ﴿ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد﴾.
ثم حذّرهم من مصير الأمم السابقة: ﴿وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب * مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلمًا للعباد﴾. ثم أمر فرعون هامان أن يبني له صرحًا ليبلغ أسباب السماوات فيطلع إلى إله موسى.
وفي المقابل دعاهم الرجل المؤمن: ﴿وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد * يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار﴾. ثم قال: ﴿ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار * تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار﴾.
ولما رأى أنهم لا يستجيبون، ختم نصيحته بكلمة التوكل: ﴿فستذكرون ما أقول لكم وأفوّض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد﴾.
فكانت العاقبة: ﴿فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب﴾. فحفظه الله من كيدهم ومكرهم، ونزل بهم العذاب.
وهكذا تعلمنا قصة هذا الرجل أن الداعية قد يكون وحيدًا في موقف الحق وسط قوم أقوياء ظالمين، فيقول كلمة الحق بحكمة ورفق، فإذا أعرضوا عنه فوّض أمره إلى الله وهو مطمئن أن الله بصير بعباده.
وفي تتمة كلامه حذّرهم يوم القيامة: ﴿ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد * يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد﴾. وذكّرهم برسالة يوسف عليه السلام قبل موسى: ﴿ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولًا﴾.
وهكذا جمع الرجل المؤمن في دعوته بين العقل والتاريخ والآخرة، وفرّق بين قوله الحق وبين الخوف من فرعون، فلم يتراجع حتى ختم بالتفويض إلى الله.
