جمع فرعون سحرته لمواجهة موسى عليه السلام، كما يحكي القرآن: ﴿وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرًا إن كنا نحن الغالبين * قال نعم وإنكم لمن المقرّبين﴾. أي طلبوا الأجر إن غلبوا، فوعدهم بالأجر والقرب منه.
فلما ألقى موسى عصاه وأبطل سحرهم، كان أمر عجيب: ﴿وألقي السحرة ساجدين * قالوا آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون﴾. فهؤلاء الذين جاؤوا يطلبون الأجر من فرعون صاروا في لحظة ساجدين لرب العالمين.
فغضب فرعون: ﴿قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون * لأقطّعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلّبنكم أجمعين﴾. وفي سورة طه: ﴿فلأقطعنّ أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلّبنكم في جذوع النخل ولتعلمنّ أيّنا أشدّ عذابًا وأبقى﴾.
فلم تهزّهم التهديدات، وردّوا بكلام الواثق من مصيره: ﴿قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا * إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى﴾.
وفي سورة الشعراء: ﴿قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون * إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين﴾. أي لا ضرر علينا في ما تتوعدنا به، فإنا راجعون إلى ربنا.
ثم دعوا بدعاء الثبات: ﴿ربنا أفرغ علينا صبرًا وتوفنا مسلمين﴾. وقالوا: ﴿وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا﴾، أي لا ذنب لنا عندك إلا أننا آمنا.
إنها لحظة تحوّل عجيبة: من أناس يبيعون السحر مقابل الأجر عند فرعون إلى مؤمنين يرضون بالموت في سبيل إيمانهم. وفي هذا بيان أن الإيمان إذا دخل القلب بعد معرفة الحق لم تحرّكه التهديدات، وأن الثبات نعمة من الله يسأله العبد: ﴿ربنا أفرغ علينا صبرًا﴾.
وتسبق هذه اللحظة أحداث ذكرها القرآن في سورة طه: حين قال موسى لفرعون: ﴿موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى﴾، فتجمّع الناس، وخاطب موسى السحرة: ﴿ويلكم لا تفتروا على الله كذبًا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى﴾. ثم ألقوا حبالهم وعصيّهم، ﴿فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾، فأوحى الله إلى موسى: ﴿وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى﴾. فلما رأى السحرة ذلك أدركوا أنه ليس سحرًا، فألقوا ساجدين.
