Islamic MixIslamic Mix
‹ أخلاق وفضائل
أخلاق وفضائلموثّق

الرجل الذي طرح متاعه في الطريق

رجل وجاره

جاء رجل إلى النبي ﷺ يشكو جاره، أي أن جاره كان يؤذيه. فقال له النبي ﷺ: «اذهب فاصبر». فذهب الرجل، ثم عاد إلى النبي ﷺ مرة ثانية يشكو، فقال له: «اذهب فاصبر». ثم أتاه مرة ثالثة، فقال له النبي ﷺ: «اذهب فاطرح متاعك في الطريق». ففعل الرجل ما أمره به النبي ﷺ، وأخرج أثاثه ومتاعه فوضعه على الطريق. فجعل الناس يمرّون به ويسألونه: ما شأنك؟ فيخبرهم أن جاره يؤذيه. فجعل الناس يلعنون ذلك الجار ويقولون: فعل الله به وفعل. فلما بلغ ذلك الجارَ جاء إلى جاره وقال له: ارجع إلى منزلك، فإنك لا ترى مني شيئًا تكرهه. تأمّل منهج النبي ﷺ في علاج مشكلة الجوار. بدأ بوصية الصبر مرات، فلم يأمر الشاكي بالانتقام ولا بالمخاصمة. فلما لم يكفّ الجار عن أذاه، أرشد النبي ﷺ المظلوم إلى طريقة يُظهر بها ظلمه للناس دون أن يعتدي هو على أحد، فكان ذلك رادعًا للجار عن أذاه. وقد جاء في الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ قال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن». قيل: من يا رسول الله؟ قال: «الذي لا يأمن جاره بوائقه»، أي شروره وأذاه. فأذى الجار ليس أمرًا هيّنًا في ميزان الإسلام، وحسن الجوار من علامات الإيمان الصادق. وقد أمر الله تعالى بالإحسان إلى الجار فقال: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا وبالوالدين إحسانًا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجُنُب﴾. فالجار ذو القربى هو القريب، والجار الجنب هو الأجنبي البعيد. وفي الصحيحين قال النبي ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره». وفي الأدب المفرد قال ﷺ: «ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه». فحقوق الجوار تشمل الكفّ عن الأذى، وإكرامه بالمعروف، وتفقد حاله، ومواساته إن احتاج، وسترُ ما يعلمه عنه. وقد جمعت هذه القصة بين الجانبين: المظلوم يُؤمر بالصبر أولًا، والظالم يُردع بالنكير الاجتماعي. وهذا الحل النبوي يُظهر أن ما يفعله الناس من لوم وتأنيب على الأذى قد يكون وسيلة ناجحة للإصلاح، ما دام ذلك بالحق وبلا اعتداء. وفي الصحيحين قال النبي ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره». ومن الفقه في هذه القصة أن الشاكي بدأ بالصبر، فلما طال الأذى جاءه الإرشاد النبوي لعلاج الأمر، مما يعلّمنا أن الصبر لا يعني الاستسلام للظلم إلى الأبد، وإنما يعني ضبط النفس وعدم المبادرة بالعدوان، ثم السعي في رفع الظلم بالوسائل المشروعة. وعلى هذا فمن كان له جار صالح فهو نعمة، وقد قال النبي ﷺ: «من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء» رواه ابن حبان.

العبرة

الصبر على أذى الجار أولًا، وأذى الجار منكر يُنكره الناس ويستحق صاحبه اللوم.

المصدر: سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب في حق الجوار؛ والأدب المفرد للبخاري، باب لا يؤذي جاره (من رواية أبي هريرة رضي الله عنه)؛ وحديث «لا يؤمن» في صحيح البخاري

الدرجة: صحيح — رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد