يروي أبو واقد الليثي رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ بينما هو جالس في المسجد والناس معه، أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان منهم إلى رسول الله ﷺ، وذهب واحد. فوقف الاثنان على رسول الله ﷺ. فأما أحدهما فرأى فُرجة في الحلقة فجلس فيها. وأما الآخر فجلس خلفهم. وأما الثالث فأدبر ذاهبًا. فلما فرغ رسول الله ﷺ من حديثه قال: «ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله. وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه. وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه». فالأول بادر إلى مجلس العلم وزاحم لأجله فآواه الله برحمته، والثاني منعه حياؤه أن يزاحم الناس فجلس خلفهم، فجازاه الله بأن استحيا منه فلم يعاقبه ولم يحرمه، والثالث أعرض عن المجلس فأعرض الله عنه. والحياء من الله من أعظم الأخلاق، قال الله تعالى: ﴿ألم يعلم بأن الله يرى﴾. وقال النبي ﷺ: «إن ربكم حَيِيّ كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردّهما صِفرًا خائبتين» رواه أبو داود والترمذي. وقال ﷺ: «إن الله حيِيّ ستِّير يحب الحياء والستر» رواه أبو داود. والحياء من الله من صفات الكمال التي تليق به سبحانه كما يليق بجلاله، لا كحياء المخلوقين. ومعنى استحياء الله من عبده في الحديث: أنه سبحانه يعامله بالكرم والستر والعفو. وفي قصة الثلاثة نفر ثلاث صور لثلاثة أنواع من الناس: من بادر إلى الخير فاحتضنه الله، ومن استحيا فعامله الله بالحياء، ومن أعرض فجازاه الله بما يناسب عمله. وجزاء العمل من جنس العمل، فمن أقبل على الله أقبل الله عليه، ومن أعرض أعرض الله عنه. وقد بيّن بعض العلماء أن حياء الذي جلس خلف الناس ليس مذمومًا، فقد منعه مقامه الحسن في الأدب أن يزاحم الآخرين، فلم يخسر مجلس العلم، لكنه لم يبلغ مبلغ الذي بادر وزاحم. ومن أدب مجالس العلم ما قاله الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسّحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم﴾. وقال النبي ﷺ: «لا يحلّ لرجل أن يفرّق بين اثنين إلا بإذنهما» رواه أبو داود والترمذي. فالحياء والأدب في المجالس جزء من أخلاق الإسلام. وفي هذا الحديث أن مجلس النبي ﷺ كان مجلس علم وتذكير، يقبل عليه الناس، ومن آدابه أن يجلس الداخل حيث ينتهي به المجلس إذا لم يجد فرجة.
‹ أخلاق وفضائل
أخلاق وفضائلموثّق
ثلاثة نفر في مجلس النبي ﷺ
النفر الثلاثة وأبو واقد الليثي رضي الله عنه
العبرة
الحياء من الناس حين يمنع من الإساءة محمود، ومن استحيا من الله ورسوله استحيا الله منه.
المصدر: صحيح البخاري، كتاب العلم، باب من قعد حيث ينتهي به المجلس؛ وصحيح مسلم، كتاب السلام (من رواية أبي واقد الليثي رضي الله عنه)
الدرجة: صحيح — متفق عليه
