Islamic MixIslamic Mix
‹ أخلاق وفضائل
أخلاق وفضائلموثّق

ثابت بن قيس: خشي أن يكون من أهل النار فبُشّر بالجنة

ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه

كان ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه خطيب الأنصار، وكان جهير الصوت، قويّ النبرة. فلما نزل قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾، جلس ثابت في بيته، وقال: أنا من أهل النار. واحتبس عن النبي ﷺ، أي انقطع عن مجلسه. ففقده النبي ﷺ، فسأل سعد بن معاذ: «يا أبا عمرو، ما شأن ثابت؟ اشتكى؟» قال سعد: إنه لجاري، وما علمت له بشكوى. فأتاه سعد فذكر له قول رسول الله ﷺ. فقال ثابت: أنزلت هذه الآية، ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتًا على رسول الله ﷺ، فأنا من أهل النار. فذكر سعد ذلك للنبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «بل هو من أهل الجنة». قال أنس رضي الله عنه: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة. لم يتهاون ثابت في الآية ولم يقل إن المقصود غيره، بل حاسب نفسه وخاف أن يكون عمله قد حبط، فاختار العزلة في بيته. وهذا الخوف الصادق على الأعمال من تواضع المؤمن وسلامة قلبه، فلا يأمن مكر الله ولا يتكل على عمله. وقد بشّره النبي ﷺ بالجنة لأن خوفه كان من عظيم احترامه لرسول الله ﷺ، لا من استخفاف به. وهذه الآية من سورة الحجرات، وفيها قال الله تعالى بعدها: ﴿إن الذين يغضّون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم﴾. وروى البخاري أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كادا أن يهلكا حين ارتفعت أصواتهما عند النبي ﷺ، أي كادا يقعان فيما حذّرت منه الآية. وقال عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما: فما كان عمر يُسمع رسول الله ﷺ بعد هذه الآية حتى يستفهمه، أي كان يخفض صوته حتى لا يكاد النبي ﷺ يسمعه فيسأله أن يعيد. فثابت رضي الله عنه لم يكن وحده من خاف، بل سائر الصحابة تأثّروا بالآية وأخذوا بأدبها. غير أنه اشتدّ عليه الأمر لأن صوته كان طبيعيًّا جهيرًا، فحسب أنه مقصود بالوعيد. وفي هذا درس في التواضع وحساب النفس: أن يخاف المؤمن على عمله مع كثرة طاعته. فهو لم يقل إن الله غفور رحيم فيطمئن وحسب، بل أخذ الأمر بجدّ، ولم يزل خائفًا حتى جاءته البشارة من النبي ﷺ بنفسه. والمؤمن يجمع بين الخوف والرجاء، يخاف ذنوبه ويرجو رحمة ربه. وقد جاءه الجواب بأن خوفه وتواضعه سبب نجاته، وأنه لم يكن رفع صوته استخفافًا بالنبي ﷺ، بل هو طبعه. وقد كان هذا الحرص من الصحابة على أدب النبي ﷺ سببًا في حفظ مقامه، وتعظيم سنته وتوقير مجلسه، وهو أدب يبقى لمن بعدهم في تعظيم حديثه وسنته.

العبرة

التواضع وخوف المؤمن على عمله من الحبوط دليل على صدق إيمانه.

المصدر: صحيح البخاري، كتاب المناقب وكتاب التفسير (سورة الحجرات)؛ وصحيح مسلم، كتاب الإيمان (من رواية أنس بن مالك رضي الله عنه)

الدرجة: صحيح — متفق عليه