كانت امرأة سوداء، وفي بعض الروايات رجل أو شاب، تقمّ المسجد، أي تنظفه وتجمع ما فيه من القمامة والأذى. فماتت، ولم يعلم النبي ﷺ بموتها. فذكرها النبي ﷺ يومًا فقال: «ما فعل ذلك الإنسان؟» قالوا: ماتت يا رسول الله. قال: «أفلا آذنتموني؟» أي هلّا أخبرتموني. فكأنهم صغّروا أمرها ورأوا أنها لا تستحق أن يُشغل النبي ﷺ بخبرها. قال: «فدلّوني على قبرها». فدلّوه، فصلى عليها. ثم قال ﷺ: «إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله عز وجل ينورها لهم بصلاتي عليهم» (كما في صحيح مسلم). لقد رفع النبي ﷺ شأن امرأة فقيرة سوداء لم يعرفها كثيرون، وصلى عليها بنفسه، لأنها كانت تخدم بيت الله بإخلاص. فقيمة الإنسان عند الله وعند رسوله بعمله لا بلونه ولا بمكانته الاجتماعية. قال النبي ﷺ: «وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» رواه مسلم. وقال ﷺ: «إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد» رواه مسلم. وقال ﷺ: «ربّ أشعثَ مدفوعٍ بالأبواب لو أقسم على الله لأبرّه» رواه مسلم. فهذه المرأة التي لم يعرفها كثير من الناس صارت مذكورة في سنة النبي ﷺ إلى يوم القيامة، لأنها أدّت عملًا يسيرًا بإخلاص. وقد يكون عند الله من لا يؤبه له في الدنيا أعلى مقامًا ممن يشار إليه بالبنان. وفي القصة كذلك حرص النبي ﷺ على تفقد الضعفاء والسؤال عن غائبهم، حتى إنه لم يكتفِ بالسؤال عنها بل أمرهم أن يدلّوه على قبرها ليصلي عليها. وهذا من أسمى معاني الوفاء، فمن يخدم بيوت الله يُذكر ويُكرم. وقول النبي ﷺ: «أفلا آذنتموني؟» فيه عتاب لطيف على التفريط في إعلامه، وتنبيه إلى أن حقوق الناس تتعاظم بعد الموت، ومنها الصلاة عليهم ودفنهم وتكريمهم. وقال النبي ﷺ: «حق المسلم على المسلم خمس: ردّ السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس» متفق عليه. وقد أخذ العلماء من قصة هذه المرأة أن الصلاة على القبر مشروعة لمن فاتته الصلاة على الميت، وأن حق المسلم على إخوانه لا ينقطع بالموت. ويدل الحديث كذلك على أن العمل المتواضع الدائم المستتر قد يكون أحب إلى الله من أعمال تُشاهد وتُمدح، وأن للفقراء والخدم والعاملين في بيوت الله مقامًا عند الله لا يعلمه إلا هو. فلا ينبغي لأحد أن يستخف بعمل مهما صغر، ولا بإنسان مهما ضعف. وهكذا يُرفع قدر المتواضعين الذين يخدمون في صمت، ولا ينتظرون جزاءً من الناس.
‹ أخلاق وفضائل
أخلاق وفضائلموثّق
المرأة التي كانت تقمّ المسجد
امرأة سوداء كانت تقمّ المسجد
العبرة
لا يُحتقر أحد لضعفه أو فقره، فرب خادمة للمسجد أعظم أجرًا من كثيرين.
المصدر: صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب كنس المسجد والتقاط الخرق والقذى والعيدان؛ وصحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب الصلاة على القبر (من رواية أبي هريرة رضي الله عنه)
الدرجة: صحيح — متفق عليه
